آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 3:23 م  بتوقيت مكة المكرمة

عن تحقيق الصور التاريخية

أثير السادة *

كثيرة هي الصور التاريخية التي يتداولها الناس بين الفينة والأخرى ولا تحمل تاريخاً أو وصفاً دقيقاً للمكان، ما يجعلها عرضة للتأويلات والترجيحات التي لا تستند غالباً إلى أساس متين، بل يغلب عليها العاطفة ورغبة إيجاد نسب للصورة بالمكان الذي نحبه ونحيا فيه، كما يغلفها الحنين إلى أي شيء يهب الناس القدرة على تذكر ماضيهم وأماكنهم الأثيرة بما حوت من أحدث وذكريات، ويوقظ النائم من خواطرهم ورغباتهم بالعودة إلى الوراء وما انصرم من أيامهم وأعمارهم.

ولأن الصورة وثيقة، يصبح التحقق من معلوماتها مطلباً ملحاً لكي لا تهب الناس معلومة خاطئة، وتنتهي إلى ضرب من ضروب التزييف للحقائق، فكما لا نقبل لمؤرخ أن يورد معلومة تجافي الحقيقة، وتزيف وجه التاريخ، لا يمكن أن نقبل هذا التعامل الذي لا يخلو من كثير خفة وتساهل في شأن توثيق الصور وتدوين تواريخها ومعلوماتها، فكلاهما ضرب من ضروب التزوير والتحريف التي لا تليق بروح الباحث والمؤرخ فضلاً عن المسئول والمهتم بشئون الصورة.

واضح قلة الاعتناء بسياق الصور التاريخية وقلة الحرص على التحقق من أوصافها، ومرد ذلك غياب الأدوات والخبرة والذاكرة التي يمكن أن تساعد في فحص الصور وتدقيقها، ولأنها طليقة وتنتقل بكثير من الحرية عبر فضاءات الانترنت، لا تجد الصور التاريخية من يعتني بإعادة فحصها وتوثيقها، وزنها الخفيف وقيمتها الثقيلة يجعل من شأن تداولها طقساً جماعياً، يترحل من فريق لآخر، كرواية متواترة، لكنها بلا سند صحيح!.

ينبغي التعامل مع الصورة التاريخية بمنهجية لا تختلف عن تحقيق المخطوطات والمستندات، عبر برامج وإجراءات تضمن سلامة الوثيقة ودقة معلوماتها، وحسن تصنيفها وحفظها، فهي وإن اختلفت في عالم الصورة عن عالم النصوص إلا أنها في المجمل تدفع باتجاه ذات الغرض وهو الحفظ من الضياع ومن التحريف، لتكون مرجعاً للباحثين، وبالتالي رصيداً معرفياً يعزز من معرفتنا بتاريخ المكان وأحواله.

في الأيام القليلة الماضية ظهرت إلى السطح مبادرات شخصية لاقتناء صور تاريخية من ذاكرة المنطقة، كانت معروضة في مواقع عالمية، وهي من مقتنيات أو تصوير الأجانب الذين عبروا من هذا المكان في العقود الماضية، ورصدوا جانباً من الحياة اليومية في الأحياء والأسواق، وقد حظيت هذه الصورة بحفاوة واهتمام من قبل المفتونين بتاريخ المكان، والباحثين عن أي سبب يهب وجودهم عمقاً وتاريخاً بعيداً. خرجت الصور إلى فضاءات الناس بالمعلومات الضئيلة التي تسللت من ثقوب ذاكرة الأجانب، وتركوها على أطراف الصور، لم نعرف منها إلا تاريخ الصورة والإسم العام للمكان، القطيف، وهاتان المعلومتان بحاجة إلى فحص وتدقيق قبل التسليم بصحتيهما، كمدخل أولي لتقديم أوصاف أكثر دقة وتفصيلاً.

لا يمكن الركون بالتمام إلى ذاكرة الأجانب في تعريف الصور وتحديد أماكنها، لما يحتمل من توسيع وتضييق للمسميات، وإبدال وتحوير، وهو أمر يتصل بظروف المصور ومدى معرفته بالمكان، وبالتحولات التي طرأت على جغرافيا المنطقة، فضلاً عن تضليلات ”الوسم“ الذي يستخدم لجلب المزيد من الحظوظ في محركات البحث.. هامش الخطأ وارد، وهامش النقص قائم أيضاً، ومعالجة هاتين المسألتين تستوجب مختبرات مجازية للفحص والكشف، مختبرات بأدوات مغايرة تسبر الذاكرة وترفع الغبار عن تفاصيلها الغائبة.

مقارنة الصورة بأخرى متوفرة في الإرشيف هي أولى تلك الأدوات التي تساعد في عملية الفرز والتصنيف، وتهب الطريق إلى أولى علامات المكان، هنالك العديد من الصور التي تصف العقود الفائتة في المنطقة، ويمتد بعضها لحدود الأربعينيات، صور تصف أحوال الإنسان والعمران، وتكشف عن شيء من ملامح الزمن الذي مر وآثاره، بإمكان أفعال المقارنة أن تمهد الطريق لمعرفة تاريخ الصورة ومكانها.

النظر في ملابس الناس داخل الصور قد يساعد هو الآخر في تحديد تاريخ الصورة ومكانها، فهي علامات ثقافية دالة على مزاج الناس وهويتهم الاجتماعية، ودالة على التحولات التي مرت بها المنطقة، في منعطف النفط وما قبله وما بعده، هي واحدة من المؤشرات الواضحة خاصة لأولئك الذين عاصروا أو درسوا تلك الفترات في وجوهها الاجتماعية والثقافية.

لا يمكن الاستغناء عن ذاكرة هؤلاء المعاصرين والدارسين، فهم المحطة المهمة الأخرى في اختبار الصورة، والتدقيق في بياناتها، هم الذاكرة الحية التي تملك القدرة على استنهاض الصور النائمة في أرففها، خاصة في تعريف المكان وأوصافه، حيث سيعمدون لمقارنة الصورة بصور أخرى عايشوها، أو مروا بها خلال بحثهم ودرسهم، ما يهب الصورة حظها من التدقيق والتحقيق التاريخي.

سيكون مفيداً فحص التقنيات المستخدمة في التقاط الصور، لون الصور، حجمها، وسائط الحفظ، الكاميرا المستخدمة، لتضييق دائرة الاحتمالات على تاريخ الصورة، فالقطع بأن هذه الصورة أو تلك تعود لحقبة ما يستلزم مراجعة متأنية لظروف التصوير واتجاهاته في مختلف العقود، آخذين بالاعتبار التطورات التقنية وأنماط التصوير الشائعة.

هذه مجرد إشارات عابرة لأبرز الأدوات التي يمكن إعمالها في عملية التحقق من الصور التاريخية، قبل إطلاقها في الفضاء العام، وتداولها عبر المنصات المختلفة، لتحافظ الصورة على قيمتها التاريخية، وتتموضع في مكانها الصحيح داخل إرشيف الحياة.