آخر تحديث: 18 / 9 / 2020م - 1:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

التعايش.. الاستهتار

محمد أحمد التاروتي *

هناك اختلاف واضح بين التعايش والاستهتار، بخصوص التعامل مع جائحة كورونا، سواء على الإطار الشخصي او الصعيد الاجتماعي، فالاول ”التعايش“ يستهدف ممارسة الحياة الطبيعية بحذر، واتخاذ الإجراءات الاحترازية لتفادي الفيروس، بهدف تطويق المرض ضمن منطقة جغرافية، والعمل للسيطرة على الوضع، والخروج من الازمة خلال فترة قصيرة، فيما الثاني ”الاستهتار“ يعكس حالة من الفوضى، وعدم الالتزام بالإجراءات الاحترازية، مما يسهم في انتشار الفيروس بشكل مخيف، وبالتالي فقدان السيطرة على المرض، وانهيار المنظومة الصحية، نتيجة عدم القدرة على استيعاب الاعداد الكبيرة، من المرضى في المراكز الصحية، مما يقود لارتفاع حالات الوفاة، بسبب عدم القدرة على توفير الرعاية اللازمة، خلال فترة الإصابة بالفيروس القاتل.

الارتفاع الكبير في اعداد إصابات كورونا في مختلف مناطق المملكة، مؤشر خطير للغاية من جانب وغير مبشر بالخير على الاطلاق من جانب اخر، خصوصا وان الأرقام المتصاعدة تضع الجميع امام تحدي حقيقي، في رحلة الوصول الى نقطة ”الصفر“، فالعملية مرتبطة بوجود الإرادة الصلبة لتحمل مصاعب المرحلة الحالية، بحيث تنعكس على البيانات اليومية الصادرة من وزارة الصحة، نظرا للتداعيات الخطيرة المتمثلة في انتشار فيروس كورونا بين الشرائح الاجتماعية، وبالتالي فان الخطورة لا تكمن في رؤية الأرقام تتصاعد، بقدر ما تحمله من تبعات وعبئا كبيرا على المنظومة الصحية، وعدم قدرتها على مواجهة تلك الاعداد غير المسبوقة، في اجمالي مرضى كورونا.

التعايش يستدعي وضع الأمور في المكان المناسب، من خلال التحرك وفق الموازين الاجتماعية والتفكير العقلاني، فالخروج عن المسار المحدد لتفادي نقل العدوى، ينم عن قصور كبير في التفكير العقلاني، وأحيانا يدخل ضمن التجاوزات الشرعية، خصوصا وان نقل الفيروس يدخل ضمن المحاذير الشرعية والأخلاقية في الوقت نفسه، وبالتالي فان التعايش ليس مدعاة للتنقل بحرية دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة، فالقرار المتخذ بتخفيف عمليات الخروج والدخول، يأتي كاجراء لاعادة الحياة الطبيعية بشكل تدريجي، لاسيما وان تجميد الحركة التجارية يعطل مصالح الكثير من الناس، مما يستدعي مراعاة هذه الحالة، وفتح بعض الأنشطة الاقتصادية، من اجل إدارة العجلة التجارية، والحرص على خلق ثقافة ترتكز على التعايش ”الحذر“، انطلاقا من شعار ”نعود بحذر“ الذي اطلقته وزارة الصحة، عبر مختلف وسائل الاعلام، وكذلك بواسطة وسائل التواصل الاجتماعي.

الاستهتار «الجزئي او الشامل» انعكس على اجمالي الأرقام اليومية المتصاعدة، مما رسم سيناريوهات الأيام القادمة غير واضحة تماما، فهذه الاعداد الضخمة جاءت بعد أيام قلائل من قرار الرفع الجزئي، مما يؤشر الى ان الأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت غير السارة على الاطلاق، مما يستدعي إعادة التفكير في طريقة التعاطي مع قرار السماح والخروج، خصوصا وان الوسيلة المستخدمة أعطت نتائج غير مبشرة، بمعنى اخر، فان المسؤولية الاجتماعية تفرض على الجميع التحرك بطريقة مغايرة للايام الماضية، بحيث تترجم على شكل انخفاض كبير في اعداد الإصابة بمرض كورونا، فالسماح بانتشار الفيروس يكلف الجميع خسائر كبرى، ليس على الصعيد المادي، ولكنه ينسحب على حياة كبار السن والأطفال.

الوعي الاجتماعي يمثل العصا السحرية، للخروج من الوضع المأزوم حاليا، فالتحرك وسط تخبط كبير لدى العديد من الشرائح الاجتماعي، يقود الى أوضاع مأسوية في نهاية المطاف، نظرا لعدم ادراك تلك الفئات بحجم المخاطر الناجمة عن الاستهتار بالحياة الشخصية أولا، وأرواح الاخرين ثانيا، وبالتالي فان وجود الوعي الاجتماعي يسهم في احداث تحولات كبرى في الحياة العامة، نظرا للاحساس بأهمية التحرك المسؤول، عوضا من القاء العبء على الاخرين، مما يساعد في تحريك الضمير بالاتجاه الإيجابي، وانهاء القطعية مع الوضع السلبي، لاسيما وان عدم المبالاة باراوح الاخرين، ينم عن ”ضمور“ كبير في الوعي الاجتماعي.

بكلمة فان التعايش مع فيروس كورونا، ليس مدعاة للتخلي عن الحيطة والحذر، وتعريض الاخرين للخطر، حيث يتحول التعايش الى حالة من الاستهتار، وتجاوز الخطوط الحمراء، عبر ادخال المحيط القريب والبعيد في دائرة الخطر، والدخول في جيش مرضى كورونا الكبير، الذي يسجل يوميا انضمام اعدادا جديدة، منذ مارس الماضي.

كاتب صحفي