آخر تحديث: 4 / 12 / 2020م - 5:20 ص

اقتصاد ما بعد كورونا «1»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

الحديث عن عودة الاقتصاد السعودي بحاجة إلى توضيح، فليس مطلوبا أن يعود اقتصادنا - بعد تلاشي كورونا - إلى سابق عهده. والسبب أن نموه لم يكن عاليا، وأن اعتماده كان على النفط وليس على إنتاج السلع والخدمات. وحتى يحدث التحول الكبير اقتصاديا، فلابد من أن يرتكز ذلك على أسس لن تتحقق بين عشية وضحاها، كما أنها لن تحدث دون تضحيات وتحرق.

تقوم هذه الأسس أولا وقبل أي شيء آخر على الاستفادة إلى الحد البعيد والبعيد جدا في الاعتماد على الموارد المحلية. وهذا لا يعني الانغلاق، ولكن يعني أن نتبع سياسة ”منا إلى العالم“، بمعنى أن نصبح مجتمعا منتجا في الأساس، يميل إلى التصدير أكثر من ميله إلى الاستيراد، وإن استورد فليكن ذلك لسبب وجيه. وقد يسأل سائل، ولم هذا التضييق؟ لسبب حرج الأهمية وهو أن تعظيم اقتصادنا وتقويته ووضعه على نسق قوي، لن يكون أبدا بأن نجحد النفط ابتداء، بل أن نثبت قدرتنا على الخروج من شرنقة النفط بالتدريج من خلال بناء اقتصاد غير نفطي متماسك. وهذا لن يحدث أبدا إن لم يرتكز على مواردنا بما في ذلك عقول وسواعد أبنائنا وبناتنا. وهكذا، لا بد من توظيف الموارد البشرية والطبيعية بحذق تام وبتحيز لا مواربة فيه. ولندرك أن تكوين رأس المال سواء أكان بشريا أو ماليا يقوم على الاختزان، مراكمة الخبرة والمعرفة لبناء رأس المال البشري، واختزان فائض الأموال بالنسبة إلى رأس المال النقدي وتحويله إلى أصول تدر عوائد. ولكن من أين تأتي العوائد؟ من أين تأتي مواردنا الآن؟ تأتي إجمالا من تصدير النفط ومشتقاته والبتروكيماويات السلعية. إذا أردنا توليد عوائد غير نفطية مستدامة فلا سبيل إلا أن نعمل لتصدير سلع وخدمات ”غير نفطية“، وهذا يقوم على توليد قيمة مضافة مستخلصة من المحتوى المحلي. هذا أمر سهل الحديث عنه لكنه صعب التنفيذ. لكن، لا خيار أمامنا إلا أن ننجح. أما التحدي فهو أن عوامل النجاح الحرجة كلها سعودية وليست أجنبية، بمعنى أننا حتى ننجح فنحن بحاجة إلى أسواق. وابتداء فلابد أن تكون أول سوق للسلع والمنتجات ”غير النفطية“ هي السوق المحلية، بمعنى إن رغبنا أن نصدر ”سكوتر“ فلابد أن تكون سوقه الأولى هي السوق المحلية. قد يسعى بعضكم إلى البحث عن أمثلة تعارض هذا، وقد تجدون، لكني أتحدث عن القاعدة العامة وليس عن الاستثناء. وهكذا، فإن اقتصاد ما بعد كورونا هو اقتصاد يسعى إلى جلب المال من الخارج من خلال تصدير سلع مصنعة ونصف مصنعة وخدمات كالسياحة، ويصدر أن تثبت تلك المنتجات جدارتها محليا قبل إرسالها لما وراء الحدود.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار