آخر تحديث: 15 / 7 / 2020م - 8:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

شاعر القطيف ومنصّة التكريم

ليلى الزاهر *

فرارًا من أسواقنا ذات الطاقة الشرائية وبعيدًا عن تحصيل المكسب المادي، وقفتُ بشرفة زمنية أُطلُّ من خلالها على أسواق نُصبت لخدمة الأدب ولتحقيق مآربه، لها مَغْنَم مُغَايِر لأرباح أسواقنا الحالية.

لم تعرف هذه الأسواق إلا القصائد الشعرية التي كان يتسابق الشعراء في نظمها هجاءً ومديحًا وفخرًا.

لقد كان البعضُ من النقّاد يعتقد أن أسواق العرب الشعريّة كسوق عكاظ وُضعت لأغراض مادية ولجني الأرباح بيد أنها أشبه بمنتديات شعرية لها دورها الثقافي والاجتماعي الذي تصدّر في خدمة الأدب وفنونه وخاصة عند أقوام عُرِفتْ بنظم الشعر سليقة وعشقا.

إنّ هذه الأسواق الأدبية لم تعرف إلا الشعر فلم نسمع خطيبا نثر خُطبه وجوّد عباراته في سوق عكاظ، لقد كان السياق الشعري هو التسونامي الجارف لجميع الفنون الأدبية لدى العربي في وقت كان النثر يُعدّ دون منزلةِ الشعرِ.

من جهة أخرى كانت العرب تُقيم الاحتفالات حين يخرج من بين ظهرانيها شاعرٌ ناظمٌ إذ يُعتبر شعره المنظوم وثيقة تاريخية لقبيلته، يُخلد مآثرهم ويذكر محاسنهم خلاله، فكانت القافية أفضل طبلٍ وهذاما ذكره مؤرخو الأدب العربي حيث نُقل عنهم:

«وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد، أو شاعر ينبغ فيهم، أو فرس تنتج»

وقد أكّد هذا الاتجاه شوقي ضيف عندما تحدث عن نشأة الأدب النثري حيث يقول:

«نحن لا نغلو هذا الغلو الذي جعل بعض المعاصرين يذهب إلى أن العرب عرفوا الکتابة الفنية أو النثر الفني منذ العصر الجاهلي، فما تحت أيدينا من وثائق ونصوص حسية لا يؤيد ذلك إلا إذا اعتمدنا على الفرض والظن»

وظلّ الشعر له مكانته لايضاهيه النثر ولايشق له غبارا إلى وقت نزول القرآن الكريم، فأضحى متصدرا عروش الفنون الأدبية وجاءت الفنون النثرية على أثره تباعا تمشي مشية الملوك واثقة الخطا فظهرت المقامات شامخة بشكل طوّر الجانب النثريّ، وعصف بأبوابه بشدة.

ومازال للشعر أتباعه يستغيث بهم في أفراحه وأحزانه، ملكَ القلوب بموسيقاه وأنشد الكلمات رسوما تعبيريّة أشعلت الوجدان بالحبّ والألم.

عاد الشعر من عهوده المنصرمة بحلّته المُطوّرة. غدا ديوان أشجان يحفظ الآلام، وسجل أحداثٍ يوثّق فيه التاريخ حكاياه. ونُصب للشاعر منصّات تكريمية وعُقدت المسابقات الشعرية، وعاد من جديد شاعر عكاظ يستلهم أحداثا جديدة ينظم من خلالها أجمل حديث لحبيبته ويرثي بلده التي أضنتها الحرب.

«وكما يحتاج الليل إلى نجوم كذلك يحتاج المجتمع إلى شعراء»

نحن في وقت بأمس الحاجة للشاعر الذي ينظم قلبه قبل أن يشرّع قلمه بحديث القوافي.

يقدّم الشعر بمصداقية كما فعل الشعراء في محنة الجائحة، ضاقت بهم المراكب فامتطوا أشعارهم.

وأقام بعضهم في بساتين شعره الغنّاء وبيده محراث يزرع بحب، ويرمي بذوره فتخرج أجمل كلمات رُصفتْ بأبهى تكوين فانتشت أحاسيس الناس ولمعت عيونهم.

يتنزهون في رحاب مقطوعاتهم الشعرية، ويستندون على حروفهم في أرض قد تنشقّ وتبتلع الناس.

أخرج زمن الجائحة الحروف من مكامنها وأصبح لحروف لغتنا غاية عظيمة، فكلّما وعدتْ أصحابها بأن تغفو قليلا لم تستطع الوفاء بعهدها واستيقظت تقطع الطرق وترتمي بأحضان الشعر تهتف:

ياخالقي أتضرع إليك فأنقذني وشد عوّديحتى لا أصبح خرقة بالية في أيدي أحدهم.

ويظل الشاعر ملكا، حاشيته كلماته، طوع أمره ورهن إشارته، متسمّرة في مكانها، إلى أن يأذن لها بالحديث من وراء حجب، أو يسحره جمالها فيأمرها بالظهور.

يقول قيصر الخوري:

تعالت ملوكٌ بالعروش وإنّما

رأيت ملوك الشعر أرفعهم قدرا

فمتى يعلو صوت شاعر القطيف ويُتوّج بتاج إمارة الشعر، فتقذفه أمواجه الشعرية إلى منصّة التكريم؟