آخر تحديث: 18 / 9 / 2020م - 1:34 م  بتوقيت مكة المكرمة

تحرر الفكر

محمد أحمد التاروتي *

إعطاء مساحة واسعة للتفكير عملية ضرورية للإبداع خارج الصندوق، وتجاوز القيود الاجتماعية الضاغطة، ورفض مبدأ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُون ، خصوصا وان الفكر الإنساني قادر على التأقلم مع الظروف المستجدة، والعمل على قراءة الواقع بشكل دقيق، مما يدفع باتجاه التحرر الكامل من الدائرة المرسومة، لاسيما وان الفكر يرسم مساحات واسعة تتجاوز الأطار الاجتماعي، ويحطم الحواجز الزمنية، بهدف خلق حالة استثنائية قادرة على انارة الطريق امام الاخرين، فالقيود الاجتماعية تشكل عائقا حقيقيا، في إبقاء الفكر حبيس مفاهيم، وقناعات محددة، مما يستدعي استخدام العقل للبحث عن مخارج لكسر تلك القيود الثقيلة، ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ، ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ .

الدعوة الى تحرير الفكر من القناعات الظلامية، تشكل انطلاقة حقيقة في مشوار البحث عن الحرية، وكسر الإرهاب الفكري، خصوصا وان البيئة الاجتماعية تمارس ضغوطا كبيرة، في سبيل إبقاء الحالة الثقافية دون تغيير، فتارة نتيجة توارث تلك المفاهيم من الأجيال السابقة، مما جعلها جزء أساسيا من التفكير السائد، بحيث يصعب التنازل عنها، او العمل على تغييرها بالاتجاه الاخرة، وتارة أخرى نتيجة سيطرة المخاوف لدى الشرائح الاجتماعية من السير وراء الجديد، تفاديا للدخول في المجهول، وصعوبة الخروج من دوامة البحث عن الذات، الامر الذي يدفع باتجاه انتهاج موقف الرفض، والمعارضة، وبالتالي العمل على اطلاق العنان للفكر يمثل الحالة الإيجابية، لتجاوز الخطوط الحمراء المرسومة من لدن البيئة الاجتماعية.

يجد المفكرون صعوبة قصوى في اختراق جدار الرفض الاجتماعي، نتيجة النوازع الداخلية تجاه الجديد، ”الناس أعداء ما جهلوا“، فهناك مسافة كبير في طريقة التفكير، بين النخب الفكرية والقاعدة الشعبية، مما يتطلب فترة زمنية لتقليص تلك المساحة الكبيرة في التفكير، وبالتالي فان النخب الفكرية مطالبة بالبحث الوسائل لنشر الأفكار في المجتمع، بهدف وضع الجميع في الصورة الواضحة، نظرا لوجود لَبْس كبير في طريقة التسليم بالافكار الجديدة، بحيث تنعكس على شكل مواقف رافضة، منذ اللحظات الأولى.

وجود البيئة الخصبة لتقبل الفكر المتحرر عملية صعبة، فالعملية مركبة ومعقدة في الغالب، فالتحرر لا يعني الانسلاخ عن الماضي، واتخاذ مواقف صادمة للوسط الاجتماعي، بمعنى اخر، فان الايمان بحرية الفكر يستدعي اتخاذ الخطوات اللازمة، لايجاد المناخ الاجتماعي المطلوب، ”ليس كل ما يعلم يقال وليس كل ما يقال حان وقته“، فالتوازن في الطرح يشكل مدخلا أساسيا في عملية التقبل، وامتصاص ردات الفعل العنيفة، مما يستدعي العمل الدقيق وفق قراءة اجتماعية مدروسة، فالتخبط والتحرك بعيدا عن التوازانات الاجتناعية، يشكل مغامرة كبرى تكون نتائجها كارثية على المدى القريب والمتوسط.

احترام حرية الفكر مرهون بالآليات المستخدمة في طرح الأفكار، فهناك الكثير من الوسائل، والعديد من الطرق القادرة على تمهيد الطريق، لتقبل الأفكار الجديدة، ”لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس“، وبالتالي فان الاختيار المناسب للطرح يعطي النتائج المرجوة، خصوصا وان صحة الأفكار او قدرتها على تحطيم القيود الاجتماعية، ليس عاملا حاسما في انتشارها، والايمان بها لدى بعض الفئات، ﴿وَلَا تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فالعملية بحاجة الى التعامل بحذر مع الوسط الاجتماعي، من اجل الوصول الى الأهداف المرجوة، والانتقال من الأفكار القديمة الى الفكر المتجدد، الامر الذي يَصْب في خانة الانتصار للفكر المتحرر، بعيدا عن العصبية للأفكار المتوارثة.

الحرص على احترام قناعات الاخرين، وعدم السخرية منها بطريقة مباشرة، او غير مباشرة، احدى الوسائل لكسب الاحترام المتبادل، فالتحرر ليس مدعاة لتسخيف الأفكار الأخرى، فالفكر الإنساني بحاجة الى الاستجابة الدائمة للواقع المعاش، ولكنه في أحيان كثير بحاجة ليكون متصالح مع الأفكار السابقة، خصوصا وان الفكر الأخلاقي والديني يمثل ركيزة أساسية، للانطلاق باتجاه التحرر من القناعات البشرية المكتسبة، البعيدة عن المنظومة الدينية والأخلاقية، وبالتالي فان محاولة اطلاق العنان للفكر البشري بدون ضوابط، يشكل خطورة على منظومة المعتقدات الدينية، والقيم الأخلاقية الفاضلة.

كاتب صحفي