آخر تحديث: 7 / 8 / 2020م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الرأي المحترم

محمد أحمد التاروتي *

يتخذ البعض حرية الرأي وسيلة لضرب بعض الثوابت العقدية، بحيث يحاول تسويق شعار ”تحريك العقل“ باتجاهات ملتوية، بهدف احداث بلبلة في بعض المرتكزات العقدية، سواء لاهداف ”معروفة“ او ”غير معروفة“، فالنتيجة واحدة على الصعيد الاجتماعي، الامر الذي ينعكس على صورة ردود أفعال بعضها انفعالية وسريعة والبعض منها عقلانية ومتوازنة، خصوصا وان طريقة تقبل تلك الآراء المناقضة للثوابت العقدية، تختلف من شخص لاخر تبعا مستوى الاستيعاب، والقدرة على القراءة الواعية لأغراض الاّراء التصادمية، مما يجعل عملية تقييم ردات الفعل غير مضمونة على الاطلاق.

احترام الآراء مرتبط بطريقة العرض اولا، ونوعية الفكر المطروح ثانيا، فهناك اراء تدخل ضمن نسق التفكير الإنساني، مما يجعلها اكثر قبولا لدى بعض الشرائح الاجتماعية، فيما بعض الآراء ليست قابلة للتسويق على الاطلاق، نظرا لتماسها المباشر مع الثوابت العقدية، مما يحدث حالات من النفور وعدم التقبل، وبالتالي فان الدعوة لاحترام تلك الآراء تبقى غير واردة، لدى بعض الشرائح الاجتماعية، نظرا لاتسامها ”بتسخيف“ الثوابت العقدية، المرتبطة بشريحة اجتماعية وازنة، مما يخلع عنها جلباب ”احترام الآراء“ الذي يغطي شعارات حرية التفكير.

حرية التفكير عملية ضرورية، لاعادة رسم بعض القناعات الاجتماعية، خصوصا وان العديد من التقاليد الاجتماعية ليست مرتبطة بالثوابت العقدية، مما يستدعي إعادة النظر فيها، للتخلص منها بطريقة سريعة او بطيئة، وبالتالي فان الوقوف امام حرية التفكير يعرقل المساعي الهادفة، ”لتقنية“ القناعات الاجتماعية من الشوائب، التي علقت في التفكير الإنساني خلال العقود الماضية، فهناك الكثير من الآراء التي ساهمت في اقلاع، بعض الممارسات الخاطئة من المجتمع، مما ساهم في احداث انطلاقات كبرى، في التفكير الاجتماعي تجاه بعض الممارسات الحياتية.

الوقوف بحزم امام مساعي ضرب الثوابت العقدية، عملية أساسية للحفاظ على التماسك الداخلي، خصوصا وان بروز بعض الآراء غير المتوازنة، يحدث ارباكا شديدا لدى بعض الشرائح الاجتماعية، مما يمهد الطريق امام الصدامات الداخلية، نظرا لمحاولة البعض ”الدفاع“ غير العقلاني، عن القناعات العقدية بطريقة غير مناسبة، الامر الذي يعطي إشارات سلبية في المرحلة القادمة، وبالتالي فان إيجاد المناخات المناسبة للحفاظ على الثوابت العقدية، يحول دون خروج بعض الآراء غير ”العقلانية“، والتي تتخذ من حرية الرأي ستارا، للتخريب بشكل مباشر او غير مباشر، بحيث تظهر على اشكال مختلفة بعضها على صعيد العلاقات الإنسانية، والبعض الاخر على اطار التحشيد العام.

إعادة أصحاب ”الرأي المحترم“ الى الجادة الصحيحة مجددا، مرتبط بقوة ردود الفعل لدى البعض، وأحيانا مرهون بالنقاش العلمي، وبالتالي فان الاستعجال وعدم القدرة، على التسويق بالطريقة المناسبة، يمثل احدى السقطات الكبرى في طريق ترويج ”الرأي المحترم“، مما يحدث فجوة كبيرة بين أصحاب تلك الآراء والبيئة الاجتماعية، خصوصا وان تشخيص تلك السقطات تحدث ردة فعل قوية، مما يدفع لمراجعة تلك ”الآراء المحترمة“، ومحاولة تصحيحها، او التخلي عنها، وكذلك الامر بالنسبة للمناظرة العملية، فانها تحدث اثرا واضحا عبر إزالة الكثير من الحجب، والقضاء على المكابرة غير العقلانية، في عملية الطرح الفكري غير المناسب.

وجود الجرأة الفكرية في التعبير عن الآراء الصادمة، ليس مدعاة للتحرك باتجاه التصادم المباشر مع الثوابت العقدية، خصوصا وان الجرأة الفكرية ليست دليلا على الصوابية، بقدر ما تسهم أحيانا في ادخال صاحبها، في موارد ”الشبهة“ او ”الموت الفكري“، فالعملية ليست مرتبطة بالقدرة على الأداء بالرأي الصادم، وانما مرهونة بالقدرة على امتلاك الدليل الدامغ والقوي، بهدف الاقناع على الصعيد الاجتماعي، فالدعوة الى التفكير مسألة مختلفة تماما، عن الجرأة في انتهاج الطريق المحفوف بالمخاطر، وبالتالي فان محاولة الدخول عبر بوابة ”الرأي المحترم“، تكون أحيانا لأغراض مكشوفة، وأحيانا أخرى لاهداف غير واضحة، نظرا لافتقار أصحاب هذه الرؤية للقدرة، على ارسال الرسائل الواضحة للبيئة الاجتماعية المستهدفة، مما يعزز الاعتقاد بوجود أغراض غير ”مفهومة“ على الاطلاق.

كاتب صحفي