آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 6:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

من قطع رأس المعري؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

ظل الشاعر والفيلسوف العربي أحمد بن عبد الله بن سليمان التنوخي، المعروف بأبي العلاء المعري (973-1057)، رهين المحبسين طيلة حياته التي اصطبغت بالحكمة والزهد والعفاف، حتى توفي قبل نحو ألف عام، فأصبح من يومه حرا طليقا يلهم بفكره وفلسفته وشعره ورؤيته للحياة أجيالا من الباحثين والدارسين، واستطاع وهو الأعمى أن يسطع بفكره وعبقريته على عوالم وأزمان متعددة.

كان مثالا للعبقرية، مثلما كان مثالا للشجاعة، فلم يكن أحد ممن عاصر المعري غافلا عن جرأته الفكرية، وجسارته في اجتياز بحور مليئة بالتماسيح، وهناك العديد ممن خالفه وعارضه وخاصمه، كما كان إلى جانبه الكثير ممن انتهجوا خطه ونسجوا على منواله.

وقد اتهم الرجل في حياته بالزندقة والإلحاد، وقيل إنه رخو العقيدة، بل قيل إنه «هندوسي» لأنه امتنع طيلة حياته عن أكل اللحوم، وغير ذلك، إلا أن أهم وأكبر مؤلفاته «رسالة الغفران»، ردت على منتقديه. و«رسالة الغفران» ملحمة شعرية تمثل رحلة تاريخية زاخرة بالتاريخ والفلسفة والأدب والتصوف وغيرها، وجاءت ردا على سؤال وجهه إليه منصور الحلبي المعروف بابن القارح، ومن هذه الرسالة اقتبس الشاعر الإيطالي دانتي أليغيري ملحمته الشهيرة «الكوميديا الإلهية»، التي استغرقت أكثر من 13 عاما من التأليف، وهي الأخرى تتناول موضوع الحياة بعد الموت.

حظي بالتقدير حتى في ظل الاختلاف معه، فقد قيل إن نحو 80 شاعرا تجمعوا عند قبره ليرثوه بعد أن دفن في مدينته السورية «معرة النعمان»، وهو صاحب قصيدة «ضجعة الموت رقدة»، التي ربما كان يرثي فيها نفسه:

صاح هذي قبورنا تملأ الرحب

فأين القبور من عهد عاد

خفف الوطء ما أظن أديم

الأرض إلا من هذه الأجساد

سر إن استطعت في الهواء رويدا

لا اختيالا على رفات العباد

لقد كتب في المعري عمالقة الفكر العربي، مثل طه حسين الذي كتب «مع أبي العلاء المعري»، وعباس العقاد «رجعة أبي العلاء»، وعشرات غيرهما، وبالإضافة لفكره وفلسفته وشعره، كان لأبي العلاء تمثال يرمز إليه، في المعرة، ويعطي مثالا لقدرة المجتمعات العربية أن تتعاطى مع الفكر الإنساني، ومنتجات العقل بعيدا عن الميول والأحكام المسبقة. لكن كان على صاحب «لزوم ما لا يلزم» أن يتحسس رأسه في ظل الفوضى التي تسببت بها الديكتاتورية في الشام، حيث قام مسلحون بقطع رأس أبي العلاء المعري، إيذانا بقطع صلتهم مع فكره ومنهجه، أو تعبيرا عن تفشي الفوضى وسريان أحكامها، وفي كل الأحوال لم يكن هذا الفعل إلا نتاج الديكتاتورية وصنيعتها حتى لو وقع بأيدي خصومها.

الحادثة كشفت الخلل في تقبل التعايش مع الاختلاف. ليس في المأساة السورية فحسب، بل في كل مكان من حولنا.. فليس بعيدا عن رأس المعري المقطوع، قتل المعارض التونسي شكري بلعيد، في واحدة من السوابق الخطيرة للجريمة السياسية هناك. بينما أفلت داعية في مصر من العقاب بعد إصداره فتوى تبيح قتل المعارضين.

رأس المعري مجرد مثال لحالة الضيق والاختناق من قبول التعددية في المجتمع، مهما كان مستواها ومهما كان نوعها، فهناك من يريد أن يفرض رأيا أحاديا حتى بالقوة، ويحاكم التاريخ، ويقطع الجغرافيا على مقاسات فكره ورؤاه. هذا الانغلاق يقود بالضرورة للاحتراب والدمار. والغريب أن هذه المآسي تصعد على آمال التغيير، وعلى أنقاض الاستبداد، والحال أنها مدعوة لتقديم صورة أكثر رقيا وتطورا و«حداثة» مما تهدمه.