آخر تحديث: 18 / 9 / 2020م - 1:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

فوبيا كورونا

محمد أحمد التاروتي *

احدث فيروس كورونا هلعا كبيرا لدى البشرية، منذ بروزه على كوكب الأرض في نهاية العام الماضي بالصين، نظرا لاستمرار الضحايا بشكل يومي، وتزايد اعداد الإصابة على المستوى العالمي، فالارقام في تصاعد مستمر لدى الشعوب الغنية والفقيرة على حد سواء، وذلك بالرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الدوائر الصحية في تطويق الفيروس، بيد ان الفيروس يمتلك القدرة الفائقة على اختراق الإجراءات الاحترازية المتخذة، الامر الذي يفسر استمرارية الإجراءات الوقائية لدى مختلف المجتمعات البشرية.

حالة الخوف المصاحبة لانتشار المرض، امر طبيعي وردة فعل مفهومة، وواجبة في جميع الاحوال، خصوصا وان التساهل في اتباع الإجراءات الاحترازية، يمثل بوابة سهلة لدخول المرض في البدن، مما يقود الى نتائج غير محمودة النتائج، الامر الذي يفرض على العقلاء انتهاج الوسائل الصحية، لدفع الضرر والهروب من المرض قدر الإمكان، وبالتالي فان محاولة الاستخفاف بالمرض يتناقض مع الحقائق على الأرض، فالعملية تتطلب اعلان حالة الطوارئ القصوى في الحياة اليومية، بهدف حماية الذات من الوقوع فريسة سهلة فخ الفيروس، الذي يتنقل بين الاجسام البشرية بشكل غير مسبوق.

وسائل الاعلام العالمية لعبت دورا أساسيا، في احداث حالة من الهلع، وبث الرعب في النفوس، خصوصا وان تجاهل المرض يعكس حالة من اللامبالاة، مما يفرض وضع الجميع في الصورة الواضحة بشكل مستمر، بهدف اتخاذ الإجراءات الصحية اللازمة لحماية الذات من الإصابة بالمرض، فالارقام اليومية لضحايا كورونا باتت ”الوجبة“ الأساسية لدى وسائل الاعلام العالمية، حيث تتناقل اعداد الإصابات على المستوى العالمي، مما يحدث حالة من التوجس والقلق في النفوس، لدى الصغير والكبير على حد سواء.

إمكانية الإصابة بالمرض ليست مستبعدة على الاطلاق، نظرا لقدرة الفيروس على الانتقال من المرضى بسهولة، فهناك الكثير من الضحايا وقعوا بشكل مفاجئ في فخ كورونا، مما يستوجب وضع برنامج مختلف لتفادي الإصابة بالفيروس القاتل، فالتجاهل لا يتنافى مع حفظ الذات من المرض، وبالتالي فان إمكانية بالاصابة تدفع لاتخاذ ”الهلع“ سببا في الهروب الفيروس، باعتباره احدى الأسباب وراء تقليل احتمالات الدخول في قائمة الضحايا اليومية، خصوصا وان الالتزام بالنظافة اليومية والمستمرة، تمثل احد العوامل الأساسية لتفادي كورونا.

إيجاد حالة من التوازن العقلاني، بين الهلع الكبير والخوف الطبيعي، امر أساسي لتفادي الوقوع في فخ ”الوسواس“، بحيث يتحول الهلع الى مرض نفسي، مما يشكل انتكاسة كبرى، في طبيعة العلاقات الاجتماعية، لاسيما وان البعض يتخذ الإجراءات الاحترازية وسيلة لممارسة ”الخوف غير الطبيعي“، مما ينعكس على سلسلة العلاقات الإنسانية الطبيعية، وبالتالي فان ”فوبيا كورونا“ تكون وبالا على البعض، فيما يفترض ان تكون الإجراءات الاحترازية وسيلة لحفظ الذات، وليست طريقة لقطع أواصر العلاقات الاجتماعية بشكل نهائي.

عملية التوازن في الخوف من كورونا، عنصر أساسي لابقاء الممارسات الحياتية، ضمن النسق الاعتيادي، لاسيما وان التطرف في اتخاذ الإجراءات الاحترازية يترك اثارا نفسية، بحيث تتحول الى حالة من الانعزالية التامة، بحيث تظهر على السلوك الخارجي مع الاخر، مما يمهد الطريق امام ظهور امراض اجتماعية ”ضارة“، على شبكة التماسك الداخلي، حيث تبدأ تلك الامراض الاجتماعية على شكل ”قطيعة“ مؤقتة، ولكنها سرعان ما تتجذر في النفوس، انطلاقا من مبررات الاجرءات الاحترازية لتفادي الإصابة بمرض كورونا.

الدعوة الى التقليل من الهلع الناجم عن مرض كورونا، ليست مدعاة للتفريط الكامل في اتباع الأسباب الصحية، فالعملية بحاجة الى اعتماد ”لا افراط ولا تفريط“ و”ضرر ولا ضرار“، وبالتالي فان القدرة على ضبط السلوك الخارجي، في إبقاء العلاقات الاجتماعية، عنصر أساسي في وضع ”الهلع“، ضمن الإجراءات العقلانية، والسلوك الطبيعي، خصوصا وان وباء كورونا يتطلب اتخاذ الحكمة في العلاقات الإنسانية الخارجية، نظرا لامكانية استمرار الإجراءات الاحترازية لفترة طويلة، مما يستدعي وضع ”الهلع“ في الاطار المناسب، بعيدا عن الخوف المبالغ فيه.

كاتب صحفي