آخر تحديث: 8 / 8 / 2020م - 5:55 ص  بتوقيت مكة المكرمة

غفلة جماعية

صادق راضي العلي *

عائلة بدوية تسكن الصحراء واجه والدهم قبل أيام متاعب صحية وتوجهوا به إلى أحد مستشفيات الأحساء القريبة منهم، بعد معاينة الدكتور لحالته الصحية اتضح إصابته بمشاكل تنفسية وارتفاع في درجة الحرارة، مما دعا الدكتور إلى إعطاء الرجل مسكنات وأخذ مسحة خاصة بفيروس كورونا، ووضعه ضمن العزل في المستشفى لحين التأكد من نتيجة الفحص المخبري.

أخبر الطبيب العائلة بأن والدهم ربما يكون مصاباً بفيروس كورونا المستجد، فقالوا له على بساطتهم ”ويش تطلع ذي الكورونا!“ وكانوا حتى ممتنعين عن لبس الكمامة، ومع الحديث معهم تبين للدكتور أن العائلة ليس لهم أي علم بما يدور في العالم خلال الخمسة الشهور الماضية، وطلب منهم مغادرة المستشفى حيث أن وضع والدهم يستدعي المكوث في العزل عدة أيام، ولا يمكن زيارته حتى يتم الحصول على نتائج المسحة.

الدكتور في تعليق جميل له ضمن إحدى وسائل التواصل متحدثا عن الحالة مع زملائه الأطباء، قدم تهنئة للعائلة كونهم عاشوا حياتهم الطبيعية وسط الصحراء وممارسة نمط حياتهم البسيط خلال الفترة الماضية بعيدين كل البعد عن كل هذا التوتر والقلق والهلع الذي أصاب العالم بأسره «انتهى».

من خلال هذا الاطمئنان النفسي الذي يلف هذه العائلة الصحراوية، والذي ربما لا يوجد له مثيل في حياة التمدن اليوم، تجدر الإشارة إلى أن وسائل التواصل في كثير من جوانبها أعطت طابع سلبي لدى المجتمعات في الشعور بعدم اليقين تجاه الحالة القائمة، والخوف المستمر والمتكرر وعدم التوازن النفسي والعملي مع الانتشار الواسع للوباء، فلا تجد أي وسيلة تواصل إلا والحديث يدور فيها عن فيروس كورونا، حتى أن ذلك انعكس سلباً على معظم الأطفال وعدم شعورهم بالأمان رغم أنهم الفئة الأقل عرضة لهذا الوباء، وربما البعض يبرر بأن الجائحة سريعة الانتشار وتستدعي كل هذا الاهتمام وتسليط الضوء على تداعياتها والوقاية منها، خصوصا مع تزايد تعداد الإصابات والوفيات مؤخراً، وهذا أمر يراه البعض حتمي يتماشى مع التوعية، ويأتي في سياق التحذير، وأن الخوف والأخذ بالأسباب في هذا الجانب مطلوب وهو نعمة من رب العالمين.

أعتقد بأن الناس وبعد مرور كل هذه التحولات في زمن فيروس كورونا بحاجة ماسة إلى منحة إيجابية، ورفع مناعتهم النفسية، بعيدا عن الاهتمام الزائد والمبالغ فيه للحصول على المعلومة، هذه المعلومة التي تحولت إلى روايات وقصص ونكات ومقالات وأشعار شارك فيها كل أفراد المجتمع، ووظفها كل مختص وكل صاحب رأي وذائقة في جانب معين ضمن اختصاصه ومجاله.

الإصرار على بقاء الوضع في مساره السلبي كما هو عليه، وغياب الاهتمامات الأخرى عن واقع الحياة اليومية، حتى من الناحية الإعلامية والتركيز على الأخبار المتعلقة بالوباء، واستمرارها على كيفيتها بعد تجاوز حالة الجمود التي فرضتها الدول والحكومات على شعوبها، أفقد جانباً مهماً من الإرادة والأمل لدى الناس في بقية جوانب حياتهم، وربما يعتبر البعض غياب بقية الجوانب ”غفلة جماعية“ جعلت الناس في حالة من الترقب لأي خبر مستجد يخص الوباء بطريقة لم يسبق لها مثيل، هذا الترقب والتوجس الذي استهلك الطاقة البشرية وأبعد المجتمعات الإنسانية عن بقية اهتماماتهم الذاتية والعملية.

منذ الأيام الأولى لإنتشار الوباء في مختلف دول العالم أصبحت المعلومة متاحة بشكل كبير، ويسهل الوصول إليها ومعرفتها عبر مختلف وسائل الإعلام، والجهات المختصة في كل دول العالم لعبت دوراً بالغ الأهمية في توضيح جميع ما يرتبط بالوباء من احترازات وقائية، ولو أن المجتمعات اكتفت بالتوصيات ونقلها والتزمت بها وعززتها ايجابياً من دون أن تعطيها نكهة إضافية لربما أصبح الواقع من الناحية النفسية والعملية لدى كثير من المجتمعات أفضل مما هو عليه الآن.

هذه وجهة نظر ربما تكون غير صائبة، وبالتأكيد تقابلها وجهات نظر أخرى كثيرة تتوافق معها أو تعارضها، ويبقى القارئ الكريم هو صاحب الرأي المرتبط بحياته وقناعاته.

الأحساء - الرميلة