آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 3:13 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في الوحدة الوطنية الفلسطينية

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

مع تباعد الأهداف والاستراتيجيات بين الفلسطينيين، لن يكون هناك أي معنى لإعلانات الوحدة.

فجأة ومن غير مقدمات، عقد مؤتمر صحفي افتراضي بين حركتي فتح وحماس، مثّل فتح فيه أمين اللجنة المركزية للحركة جبريل الرجوب، ومثل حماس نائب رئيس المكتب السياسي للحركة صالح العاروري. وأعلن الاتفاق على تحقيق وحدة سياسية وميدانية بين الحركتين، لمواجهة مخطط الضم «الإسرائيلي» لأجزاء من الضفة الغربية، ومنطقة غور الأردن. وعلى الرغم من أن الاتفاق أبهج كثيراً من الفلسطينيين، فإن ذلك لم يُلغ حالة الترقب والخشية من أن يكون مصيره، مصير سابقيه من اتفاقيات الوحدة المتكررة بين الحركتين، والتي لم يكتب لها النجاح.

هذه المرة، كما في سابقاتها، يأتي الحديث عن الوحدة في ظل هجمة «إسرائيلية» شرسة على الحقوق الفلسطينية، وأيضاً في ظل تآكل معظم الحقوق، ليس فقط التاريخية للشعب الفلسطيني في أرضه؛ بل أيضاً الحقوق التي صدرت فيها قرارات واضحة عن مجلس الأمن الدولي، والجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة. وكأن الزمن تكفل بترويض القيادات الفلسطينية، وتهيئتها للقبول بمزيد من التنازلات.

أساس الخلل النظري في معادلة الصراع مع الاحتلال «الإسرائيلي»، هو اعتقاد قيادة منظمة التحرير الفلسطينية بإمكانية تحقيق السلام، إذا ما تم الإقرار بمشروعية سطو الصهاينة على أرض فلسطين، وأن ذلك سيكون فيه حقن للدماء، وتمكين الفلسطينيين من إقامتة دولتهم المستقلة على الأراضي الفلسطينية التي احتلت في حرب يونيو 1967. وما دام تحقيق هذا السلام ممكناً، فليست هناك حاجة لامتشاق السلاح.

لقد عملت الماكنة الصهيونية على ترويج فكرة أخرى، مؤداها أن من يرغب في السلام، عليه أن يُبدي حسن نواياه أولاً، بتخليه عن السلاح. إن السلام يحتاج إلى قوة دفع وتطبيع وكسر للحاجز النفسي.

صدّق بعضنا هذه الفرية، أو بدقة أكثر رغب البعض في تصديقها. وقبلت قيادة منظمة التحرير مثل النظام العربي الرسمي بنزع السلاح، وجرى التفريط في معظم الحقوق، على أمل تحقيق السلام العاجز. وأصبحت شعارات الدفع الذاتي والتطبيع وكسر الحواجز النفسية، ضمن قائمة أهدافنا؛ بل أعلن بعضنا استعداده للخروج من منظومة الأمن القومي العربي الجماعي. وأصبحت الاتفاقيات مع العدو مرجحة على ما عداها من الاتفاقيات والمواثيق، بما في ذلك ميثاق جامعة الدول العربية، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك. والنتيجة هي قضم مزيد من الأراضي الفلسطينية، وإعلان مدينة القدس عاصمة موحدة لدولة الاحتلال، وانحياز إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، لهذه الخطوة، ونقل سفارة بلاده إلى المدينة المقدسة؛ بل وتبنّيه لضم غور الأردن وأجزاء من الضفة الغربية، وما زال البعض يرفض المقاومة بمختلف أشكالها، ويتحدث عن السلام كخيار استراتيجي وحيد.

وبالتأكيد لن يكون قرار ضم الأراضي الفلسطينية وغور الأردن المزمع تنفيذه من قبل الكيان «الإسرائيلي» نهاية المطاف، ما لم يتوقف اللهاث خلف سراب التسوية.

الوحدة الوطنية الفلسطينية ضرورة ملحة، لتجنب حالة التشظي في النضال الفلسطيني، لكن الأهم، هو وضوح الأهداف والاستراتيجيات والتكتيكات أيضاً، التي ينبغي أن تكون دائماً ضمن متصور الهدف الاستراتيجي النهائي للكفاح الفلسطيني، ولا تكون خارج برنامج التحرير. ومع تباعد الأهداف والاستراتيجيات بين الفلسطينيين، لن يكون هناك أي معنى لإعلانات الوحدة التي سرعان ما ستقذف بها الأحداث، ولن تصمد أمام الامتحان، ما لم يتقدمها برنامج كفاحي يتجانس مع صبوات الشعب الفلسطيني، وآماله في الانعتاق، وبناء دولته المستقلة، فوق ترابه الوطني، بما لا يلغي الحقوق التاريخية العربية في فلسطين.

فتح وحماس، مثل بقية حركات المقاومة الفلسطينية، بحاجة إلى الاتفاق أولاً على استراتيجية كفاحية قادرة على دحر المشروع الصهيوني.

أما التسليم بشروط العدو والخضوع لابتزازه، فلن تقدم شيئاً للفلسطينيين، فما رأيناه حقيقة خلال أكثر من عشرة عقود، منذ وعد بلفور، هو تآكل الحقوق العربية والفلسطينية في ظل فقدان التوازن العسكري والاستراتيجي، والتنظيمي وإرادة المقاومة بين العرب والصهاينة.

المطلوب في مواجهة مشروع الضم للأراضي الفلسطينية، كما في مواجهة التعنت «الإسرائيلي»، هو تصليب الموقفين العربي والفلسطيني في مواجهة الاحتلال. والخيار الاستراتيجي للسلام، هو خيار واهم إن لم تدعمه قوة الردع القادرة على جعله أمراً واقعاً. وقد تأكد بما لا يقبل الشك، أن السلام دون الأمن هو ركوع واستسلام؛ لأنه لا يستند إلى قاعدة تحميه وتدافع عنه. والمفاوضات حين لا تكون هناك غاية نهائية تؤمن من خلالها الحقوق، تحوّل طاولة المفاوضات إلى غاية في ذاتها، يضيع معها هدف الاستقلال والتحرير وبناء الدولة المستقلة.