آخر تحديث: 18 / 9 / 2020م - 1:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

محاكمة التاريخ

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض سياسة المحاكمة لجميع الاحداث التاريخية، انطلاقا من غايات ليست مرتبطة بقراءة ما تحت السطور، والبحث عن الحقائق المدفونة، تحت انقاض الكثير من الحوادث التاريخية، وانما يستهدف توجيه أصابع الاتهام لفئة محددة، وتبرأت جهات اخرى، نظرا لوجود حساسية مفرطة تجاه تلك الفئة، مما يجعله يتحرك لنبش التاريخ بطريقة انتقائية، وغير علمية، من اجل العثور على مستند تاريخي، يدعم موقفه المتشدد تجاه تلك الفئة.

عملية البحث التاريخي مطلوبة للوقوف، على الكثير من الاحداث الغامضة، ومحاولة قراءة التاريخ بعيون واعية، بعيدا عن المواقف الانفعالية او العاطفية، من اجل وضع النقاط على الحروف، والابتعاد عن اتخاذ المواقف المسبقة، خصوصا وان التاريخ يحمل في طياته الكثير من المغالطات، والعديد من المبالغات، والتجني في احيان كثيرة، مما يستهدف تشريح الاحداث للوصول للحقائق المجردة، وبالتالي فان الدخول في بحر التاريخ بأحكام مسبقة، يقود الى نتائج غير عادلة، او بعيدة عن الحقيقة، الامر الذي يستدعي الوقوف مليا امام مختلف البحوث التاريخية، للتعرف على الظروف المحيطة بها، وكذلك الأوضاع السياسية السائدة آنذاك، والوضع الاقتصادي القائم وقتها، والحالة الاجتماعية الحاكمة، خصوصا وان هذه العوامل تمثل مدخلا للوقوف على الاتجاهات الداعمة، لتوجيه الاحداث التاريخية، سواء في الاتجاه الإيجابي «المؤيد»، او السلبي «المعارض».

يحاول البعض الدخول الى التاريخ من نافذة الانتقام، وممارسة الوصاية على الاحداث، من خلال تحريف الوقائع بما ينسجم مع الاهواء السياسية، ومسايرة الضغوط الاجتماعية، واحيانا استجابة للضغوط الاقتصادية، مما يدفعه لممارسة الكذب والتحريف، لارضاء تلك الاهواء، او لمسايرة الأوضاع الاقتصادية، خصوصا وان الظروف السياسية تلعب دورا أساسيا، في كتابة التاريخ بالاتجاه السلطوي، مما يشكل معضلة كبرى في الوقوف على الحقائق المجردة، ”الناس على دين ملوكهم“، بمعنى اخر، فان دوافع الانتقام تعطل النزاهة العلمية في دراسة التاريخ، وتسهم في تشويه الاحداث بطريقة اجرامية، خصوصا وان التاريخ وثيقة اساسية لنقل الاحداث للأجيال القادمة، وركيزة هامة لدراسة مختلف المجتمعات البشرية.

محاكمة التاريخ عملية ضرورية، للتعامل مع الاحداث بطريقة احترافية وعلمية، خصوصا وان التسليم بالوقائع المدونة في بطون الكتب، لا ينسجم مع البحث العلمي، مما يستدعي التحرك الجاد للتعرف على الخفايا، واستخراج الملاحظات الخافية من تحت السطور، من خلال التعرف على التناقضات بين الاحداث، الامر الذي يسهم في اكتشاف الكثير من الأمور، التي حاول بعض مؤرخي التاريخ طمسها بطرق مختلفة، لأغراض كثيرة بعضها شخصية، واخرى اجتماعية، وثالثة سياسية، مما يتطلب التحرك وفق منهجية البحث عن الحقيقية، بعيدا عن الاهواء الخاصة، او المخاوف الاجتماعية.

توجيه الاتهامات الكيدية لفئات محددة، وتحميلها مسؤولية الكثير من الوقائع التاريخية، جريمة كبرى يعمد البعض لارتكابها بطريقة غير علمية، حيث يحاول حرف المسارات التاريخية بشكل انتقائي، بهدف تحقيق المآرب الخاصة، والعمل على تأليب الرأي على بعض الجهات، خصوصا وان عملية البحث التاريخي ليست متاحة للجميع، فهي بحاجة للكثير من الجهد والعمل لربط الاحداث التاريخية، من اجل التوصل الى القراءة الدقيقة للكثير من الوقائع التاريخية، وبالتالي فان ادراك صعوبة البحث التاريخي يدفع البعض، لمحاولة استغلال هذه الثغرة في ”دس السم في العسل“، عبر تحميل بعض الأطراف مسؤولية الكثير من الحوادث التاريخية، من خلال التدليس او التلاعب في التاريخ، واقتطاع جزء وإخفاء الحقائق بطريقة ذكية، مما يعطي انطباعات سلبية لدى المتلقى، مما يحقق الأهداف الدفينة والأحقاد الكبيرة، تجاه تلك الفئات المقصودة.

تبقى محاكمة التاريخ مهمة ثقيلة، ولكنها أساسية للتعرف على الوقائع التاريخية، لإزالة الكثير من الأوهام والعديد من القناعات المحرفة للاحداث، خصوصا وان التلاعب في التاريخ ليس جديدا، مما يستدعي وضع كافة الوقائع التاريخية، تحت المشرط لاخراج الحقائق من بطون الكتب، " قُلْ سِيرُواْ فِى ?لْأَرْضِ فَ?نظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ ?لْخَلْقَ ? ثُمَّ ?للَّهُ يُنشِئُ ?لنَّشْأَةَ ?لْءَاخِرَةَ ? إِنَّ ?للَّهَ عَلَى? كُلِّ شَىْءٍ? قَدِيرٌ ".

كاتب صحفي