آخر تحديث: 24 / 9 / 2020م - 12:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

وجوه لا تنسى/ الحاج عبد الغني اخضر ”خادم وسائق العلماء“

حسن آل ناصر *

احتاج الآن لشخص يعوضني عن الحرمان لفقد الذاكرة، احتاج إلى إنسان يؤنس مخيلتي ويتصدق علي لأسرد للتاريخ الفقير احداث أناس كانوا هنا، أجل شخصيات تؤنسك حينما تجالسها وتنبأ محدثيها بالحكايات وتسرد قصص العلماء الذين عاصروها، حتما سيكون عندهم كم هائل من تراث الأحداث بمختلف اشكالها وانماطها الحياتية، فمن لا يطيق سماع قصص جرت عنهم؟! فكيف بمن جالسهم وتسامر معهم وخدمهم لفترة طويلة.

كم نحتاج لتدوين حدث عن عالم؟! وهل كل شيء يروى ونخذ منه عبر وفكر؟! سأروى لكم لمحة بسيطة عن سائق «سواق العلماء» الحاج عبد الغني بن عبد العلي بن سلمان اخضر، هو واحد من أوليك الذين امضوا جل عمرهم معهم خادما وقائما لوجه لله فيهم.

ولد سنة 1365ه في حي المدارس، الحي القديم الذي يقع شمال سوق مياس في وسط القطيف، ويشتهر بكثرة العلماء والمساجد والحسينيات وكذلك استوديوهات التصوير الفوتوغرافي، وايضا مجسم السفينة المطل على قلعة القطيف، بهذا الحي الجميل تربى في حضن اخته الخطيبة الحسينية نعيمة اخضر ”أم عبد الرسول“ بعد أن توفيت والدته وكان يبلغ من العمر تسع سنوات، رعته رعاية وعناية فائقة حيث عكست عليه بيئتها التي تعلم وقرأ بحيث تتلوى طول فترة حياتها القرآن وخادمة وناعيه لأهل البيت فقد كسب منها حبه وشغفه للقرآن الكريم.

في عمر الثالثة عشر توفي والدة فما كان منه إلا أن دخل مضمار قساوة الحياة وكافح بعد اليتم، زاول مهنة الخبازة مع اخيه سلمان ورضي اخضر قرابة الثلاثة عشر سنه، وخلال عمله فيها تزوج من الحاجة بدرية ادريس القصاب «بائع الهريس المشهور» ويعتبر من اقدم المطاعم بيعا للهريس بالقطيف وكان عمره في زواجه السابعة عشر.

ولتعسر المعيشة حينئذ التحق بشركة الزيت العربية «ارامكو» ولم تكن الشركة في بدايتها سخية بالراتب فقرر أن يجوب رزقه براتب افضل حتى التحق بمندوبية التعليم «الرئاسة العامة للتعليم» لمدة ثلاثين سنه تقريبا مع ممارسة العمل كسائق سيارة اجره وتوصيل زوار العراق بسيارته نوع «جمس سوبربان».

كان رحمه الله كريم الاخلاق سخي اليد لا يرد احدا ترك بصمة طيبة لجميع من حوله، امتاز حديثة وذكرياته مع العلماء الذين عاصرهم وتشاهده تارة يحكي وتارة أخرى يبكي لأيام خلت بماضيها الجميل وأن يكن فيه افراح إلا أن فقد الاحبة احزان، فأحفاده «الحافظ الله خمسون» يأنسون به حينما يجلسهم امامه ويرجع لهم شريط الذكريات التي قضاها مع رحلة الترح والمرح.

قاس الأمرين كافح ليقي عائلته ضيق المعيشة ولكن ما لبث أن سكن مع اخيه ”رضي“ ذاك الرجل المؤمن الذي تكفل به وبالذات في أول ايام زواجه، ضاق به المكان فاستأجر منزل في حي الكويكب ثم تدرج إلى ثلاثة بيوتات مستأجرة في الدخل المحدود واخيرا اسقر به الحال وتملك بيت في الحي نفسه «ج» عام 1404ه، رغم مصاعب الحياة إلا انه لم يقصر على ابناءه وبناته من تربية وحياة كريمة موفرا لهم حياة مليئة بالهناء والسعادة.

التزم خادما وسائقا للعلامة الشيخ فرج بن حسن العمران القطيفي «1903 - 1978» وكان سائقه الخاص لحين وفاته رحمهما الله، ولفترة وجيزة خدم العلامة الشيخ حسين بن فرج العمران «1359ه» حفظه الله، كان من المقربين لعائلة العلامة العمران، ويمتاز المرحوم بأنه يحب خدمة ومجالسة العلماء ودائم الخدمة لهم، ويفرح كثيرا عندما يقدم عمل لهؤلاء العظماء وبالذات العلامة العمران كان لا يرد للشيخ طلبا ابدا، متعلقا به كالأب.

وقد قضى مع الشيخ ابراهيم الغراش «1361ه - 1436ه» وهذا الشيخ الجليل كفيف البصر احد تلامذة العلامة العمران، كان له العين واليد، وغير توصيله بالسيارة يقف له احتراما وتقديرا ويأخذ بيده داخل المساجد والحسينيات والمجالس العامة.

والحاج على هذه الحاجة من المسؤولية يقضي يومه في قراءة القرآن ويقرأ الزيارة الجامعة، عاش عاشق لأهل البيت ، دائم السفر لزيارتهم، وفي يوم الخميس على مدار السنة يكون هذا اليوم بمثابة العيد لأفراد العائلة وبالخصوص الاحفاد حيث يوزع عليهم النقود والهدايا، وحتى ”العاملات“ يفرحن بهذه المناسبة الاسبوعية لأنه يهديهن بطاقات شحن، يحب ان يطبخ لأسرته بيديه مثل «الباچا والمشويات» ولكن بسبب تضرر عينه من دخان الشوي منعه عن ذلك في الفترة الأخيرة، هكذا كان عطاءة مستمرا يدخل السعادة على القريب والبعيد على الأهل والجيران، وشفوق على عمال الشوارع وعطوف على الفقراء.

في أواخر ايامه مشتدا عليه المرض وحرارته مرتفعة اعطى سائقه مبلغ من المال وطلب من ذويه أن يهدى لدكتوره علبة «تمر»، مازال طاقم المشفى الذي يشرف عليه يتذكره بطيبة قلبه وبشاشة وجهه، كان كريما معهم دائما يحمل للدكتور والممرضات الشوكولاتة والهدايا في زياراته، جميعهم حزنوا عليه بشدة عند وفاته، والجدير بالذكر بعضهم ارسل واتصل للترحم والمواساة.

كان متمسك بالصلاة ومحافظا عليها وخاصة صلاة الفجر، وقبل توقف قلبه طلب من الممرضة أن يغتسل ليصلي، وبعدها فارق الحياة في مستشفى جونز هويكنز «ارامكو الظهران» في 21/12/1441ه، فرحمك الله يا ابا حسين رحمة الابرار واسكنك الله فسيح جنته لروحك الفاتحة ولأرواح المؤمنين والمؤمنات.