آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 12:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

التقليد الواعي

محمد أحمد التاروتي *

النظرة الى التقليد تختلف باختلاف طريقة التعاطي معها، فاذا كان يحمل في طياته نقل التجربة، ومحاولة تطويرها بما ينسجم مع التفكير الذاتي، والثقافة الاجتماعية، فانها تجد المساندة والتشجيع لدى الكثير من الفئات الاجتماعية، باعتبارها حركة واعية في سبيل الارتقاء بالمستوى الشخصي، وكذلك النهوض بالبيئة الاجتماعية، انطلاقا من مبدأ ”في التجارب عمل مستحدث“ و”السعيد من اتعظ بغيره“، مما يسهم في اثراء التجارب الإنسانية، بما يحقق الكثير من الفوائد في مختلف المجالات الحياتية، لاسيما وان التجارب الانسانية ليست محصورة على بعض السلوكيات المحددة، وانما تشمل الكثير من الجوانب سواء على الصعيد العلمي، او الثقافي، او غيرها من التجارب الاخرى.

التقليد الواعي يعكس المحركات الثقافية، والاهداف الكامنة من ورائه، فهذا النوع من التقليد يتحرك باتجاه تطوير التجارب بطريقة ايجابية، فضلا عن محاولة انتقاء الجانب المضيء من بعض السلوكيات الاجتماعية، ومحاولة تصويب بعض الممارسات الخاطئة، بما ينسجم مع الثقافة الاجتماعية من جانب، والعمل على وضع الاطار ”الخاص“، للمساهمة في عملية النهوض الجمعي من جانب اخر، وبالتالي فان الموقف من التقليد الواعي يكون محفزا في الغالب، لاسيما وان الاثار المترتبة على اعادة برمجة، بعض الممارسات البشرية بشكل مختلف، تشكل دافعا انسانيا باتجاه خلق البيئة المثالية، للصعود الاخلاقي والعلمي في العديد من المجالات، لاسيما وان العقل البشري قادر على تطويع الكثير من السلوكيات، وتشذيبها بما يحقق الرضا الاجتماعي.

بينما يكون التقليد الاعمى وبالا على الصعيد الشخصي، وكذلك على الاطار الاجتماعي، خصوصا وان التقليد غير الواعي يحمل تداعيات خطيرة يصعب حصرها، مما يستدعي الوقوف امامها بحزم، وعدم السماح بتغلغلها في الوجدان الاجتماعي، لاسيما وان عملية نقل التجارب السلوكية من البيئات الاجتماعية الأخرى، يكرس واقعا مغايرا للثقافة السائدة وينسف بعض الأسس والقواعد الحاكمة في التفكير الجمعي، الامر الذي يحدث حالة من الصراع الثقافي في الوسط الاجتماعي، بحيث تقود الى احداث اختراقات عميقة في العقل الجمعي، وبالتالي فان التقليد الاعمي يترك شروخا عميقة في البيئة الاجتماعية، مما ينعكس على الاجيال القادمة، التي تواجه واقعا مختلفا تماما، عن الموروث الثقافي السائد.

الانفصام الداخلي يولد حالة من الانبهار السريع، ببعض السلوكيات السائدة في المجتعات البشرية الاخرى، مما يدفع البعض لمحاولة نقل تلك السلوكيات بطريقة حرفية ”الاستنساخ الكامل“، خصوصا وان الصراع الداخلي يساعد في الانغماس الكامل، من خلال التحريض القوي لتبني بعض السلوكيات الشاذة، باعتبارها جزء من التقدم، ونوع من الارتقاء بالذات، وبالتالي العمل على الانسلاخ من البيئة الاجتماعية بشكل كامل، ومحاولة لبس قناع مزيف غير قادر على الاقناع، لاسيما وان التقليد الاعمي يشكل خطورة كبرى، عبر بث ثقافة طارئة، وغريبة على المجتمع، مما يحدث حالة من النفور الكبير والاستهجان الواسع، من لدن العديد من الشرائح الاجتماعية.

تراجع التقليد الاعمي مرتبط بالموقف الاجتماعي، بالإضافة للجهود المبذولة في سبيل على وضع الامور في النصاب السليم، لاسيما وان التغاضي والسكوت يشجع على مواصلة الممارسات الشاذة، فالسكوت يفهم بشكل معاكس باعتباره ”قبول“، بغرس هذه الممارسات في البيئة الاجتماعية، الامر الذي يتمثل في محاولة إظهارها بشكل علني، وضرب القواعد الاجتماعية بعرض الحائط، بالاضافة للعمل ارساء قواعدها في الثقافة الاجتماعية، فتارة بواسطة اظهارها بطريقة فجة وغير مستساغة، وتارة اخرى بواسطة تسخير الكثير من الأدوات، لبث هذه النوعية من السلوكيات الغريبة، وبالتالي فان الموقف الرافض يسهم في وضع خطوط حمراء، امام تمدد هذه الممارسات في جميع الاتجاهات، خصوصا وان عامل الوقت يلعب دورا كبيرا، في تحريك السلوكيات في البيئة الاجتماعية.

التقليد يبقى مرهون بالغايات المرسومة، فاذا استطاع المرء الخروج بتصور إيجابي، لتطوير بعض الممارسات، والعمل تحريكها بالاتجاهات الصالحة، فانها تساعد في رفد الحركة البشرية باتجاه المزيد من التقدم، والمساهمة الفاعلة في عملية النهوض، فيما سيكون الوضع اكثر سوادوية، بمجرد تحول التقليد الى تقمص كامل، مما يسهم في الانسلاخ الكامل وتبني ثقافات مختلفة تماما.

كاتب صحفي