آخر تحديث: 24 / 9 / 2020م - 12:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أئمة أهل البيت تحت الحصار‎

مؤيد علي البراهيم

يشغل مفهوم الإمامة حيزاً واسعاً في الفكر الإمامي الإثنا عشري، إذ أنه لا يحصر الإمامة في بعدها القيادي على الجانب السياسي فحسب، بل يتخطى ذلك إلى مديات واسعة وكبيرة ك «القيادة الدينية، والتهذيب الأخلاقي» لذا تدخل الإمامة في جميع مفاصل الحياة الإنسانية بأبعادها المختلفة، إذ أنها تشكل منهج حياة للإنسان في سيره. وإذا ما أردنا أن نصف شؤونها بالشكل الدقيق فخير ما نورده كلام الإمام علي بن موسى الرضا في بيان مفهوم الإمامة ومواصفات الإمام، إذ أنه قال بشأن الإمامة أنها:

”منزلة الأنبياء، وإرث الأوصياء. إن الإمامة خلافة الله، وخلافة الرسول ﷺ، ومقام أمير المؤمنين ، وميراث الحسن والحسين . إن الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعز المؤمنين. إن الإمامة أسّ الإسلام النامي، وفرعه السامي، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف“

بعد هذه النظرة الخاطفة والسريعة على مفهوم الإمامة في الفكر الشيعي، لو نظرنا إلى الجري التاريخي ورقبنا الأحداث المتتابعة من رجالات الأعصار الماضية وكيفية التعامل مع الأئمة لو جدنا أنه هنالك عامل مشترك يتكرر في كل حقبة زمنية، يتمثل في ضرب الحصار على أئمة أهل البيت وجعلهم في عزلة موقعية أو اجتماعية أو معرفية أيضاً.

ولعل البذور الأولى كانت وليدة تلك الرزية التي حِيل دون رسول الله ﷺ وكتابة الكتاب الذي يحفظ الأمة من ضلالتها، حينها بدأت تلك العزلة تتقولب وتتشكل مع مقتضيات الزمان والمكان، درأً لوجود أي خطر محتمل التهديد على المكانة المرموقة التي هي مطلب غائي لأهلها.

وعليه نستطيع أن نفسر جملة الأحداث الصادرة على هذا الضوء، من قبيل المنع الذي طال تدوين أحاديث النبي الأكرم ﷺ مما أوجد شرخاً معرفياً كبيراً، وفسح المجال وعبّد الطريق إلى تكثّر الوضاعين والتفنن في بث الدسائس والأكاذيب، وهذا بدوره ضرب الركائز المعرفية والقيمية للأجيال اللاحقة على المدى البعيد وخلق حالة من الضبابية والإبهام، كما أنه عمد على حصر جيل - ذاك الزمان - في بوتقة ضيقة لايستطيعون أن يتحرروا من تلك الشرنقة التي ضربت بأطنابها عليهم. شيئاً فشيء بدأت تنمو بواعث ذلك الانحراف من خلال الممارسات التي تصدر بشأن أهل البيت ابتداءً من أمير المؤمنين التي أخذت المنابر على عاتقها بالترويج لشتمه، قربة لله تعالى! هكذا أخذ الدور الإعلامي مساحته الواسعة ونشاطه المتحرر من كل القيود الأخلاقية، إلى الحد الذي حينما وصل نبأ استشهاده إلى مسامع أهل الشام، تعجبوا أن علياً قتل في محرابه، أوكان يصلي!

هذا هو الحصار المقيت الذي أستخدم كأداة مضادة في عزل أهل البيت . وعليه يتضح لنا جلياً أن الممارسات الصادرة من قبلهم في إبراز مفهوم الإمامة أو بيان مواصفات الإمام، هي إعادة نظم لهيكلة المفاهيم المعرفية في أذهان الأمة وتصحيحها، لذا نرى أن مثل تلك الممارسات كانت تقلق جبابرة الأعصار والأمصار ليس في حينها وحسب بل حتى على المديات البعيدة.

كما أنه في العصر الراهن بدأ يأخذ ذلك الحصار منحى أخر، يتمثل في تجويف وإفراغ المحتويات الدينية من مضامينها الحقيقية، ووسمها بحالة من التمييع القيمي والانفلات الأخلاقي والفوضى المعرفية تحت عناوين التجديد والمواكبة ونبذ القديم والتراث المطبق والجاثم على كيان هذه المجتمعات بحمله الثقيل! فالبصير من تبصر، وأجهد نفسه في إرجاع المتشابهه إلى محكمه، لئلا يكون عرضة لمهب الرياح العاصفة التي تردي صاحبها! وأن لا نكون جزء من أوتاد ذلك الحصار الذي ضرب بأطنابه على أئمة الهدى !

ومن هنا تنكشف مكنونات أقوالهم - -، فعن عبد السلام بن صالح الهروي قال: سمعتُ أبا الحسن الرضا يقول: «رَحِمَ اللهُ عبداً أحيا أمرَنا»، فقلت له: كيف يُحْيي أمرَكم؟ قال: «يتعلّمُ علومَنا ويُعلِّمُها الناس؛ فإنّ الناس لو عَلِموا محاسنَ كلامِنالاَتّبعونا» هكذا يفك الحصار الذي من شأنه أن يستقطب أصحاب الفطرة السوية إلى ساحة الطاهرة والصفاء.