آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 10:17 ص

خيارات أخلاقية

محمد حسين آل هويدي *

﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - بسم الله الرحمن الرحيم - ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ «1» مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ «2» وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ «3» وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ «4» فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ «5» بِأَيْيِكُمُ الْمَفْتُونُ «6» إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ «7» فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ «8» وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ «9» وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ «10» صدق الله العظيم - القلم.

لَم تُكْتَبُ هذه السطور لأجل تفسير القرآن أو تدبّره. ولكن لا بأس أن نعصف أذهاننا بصورة جماعية يستفيد منها الجميع. يمدح اللهُ سبحانُه وتعالى أخلاقَ محمدٍ ﷺ في هذه السورة المباركة. كما يعطي أمثلة لنقيض الأخلاق؛ الهمز، المشي بين الناس بالقبائح والرذائل، النميمة، منع الخير، الاعتداء،... الخ. نحن جميعا أهل قرآن، إن شاء الله. والقرآن حريص في تبيان التشابه والتضاد، ودقيق في استخدام المفردات كي تعطي المعنى بصورة واضحة وتكون حجة بالغة. الصدق أخلاق. الكذب رذيلة. وهلّم جرا.

لا أحد ينكر أخلاق الأنبياء؛ حتى الذين لا يؤمنون بهم. دعوة الأنبياء مقرونة بالنبل والأخلاق الفاضلة والدفاع المستميت عن المستضعفين ومواجهة الطغاة وكهنة معابدهم الذين كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل ويستغلون نفوذهم لاستعباد وإذلال الناس، بصورة أو بأخرى. بالرغم من أخلاق الأنبياء الفاضلة، إلا أن محمدا ﷺ تميز عليهم وعلى الخلق أجمعين بالأخلاق الحميدة، حتى اختصر ﷺ الدين في الأخلاق؛ ”إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق“، ”الدين الخلق“، ”من لا خلق له. لا دين له“، وهكذا يعلمنا ﷺ معاني الأخلاق الحميدة والفاضلة. الدين أخلاق وجوهر أكثر مما يكون طقوسا ومظهرًا.

هناك أخلاق عالمية مشتركة وُلِدَت مع فطرة الإنسان. وهناك أخلاق تختص بفريق دون آخر. العرب يتخذون الكرم كدلالة على الأخلاق. غيرهم ربما يرى الكرم تبذيرا. العرب يعتبرون الإقدام شجاعة. غيرهم يعتبر الإقدام تهورا. العرب يعدّون الغيرة صفة محمودة. غيرهم يراها نزغات شيطانية. في الطبيعة البشرية مشتركات ومختلفات.

الإنسان يقع بين خيارات في كثير من حياته، وعليه أن يختار الأفضل والأصلح؛ أو كما يرى الفلاسفة، على الإنسان أن يراعي أربعة مناهج من الخيارات الأخلاقية «وكأن ما يقوله الفلاسفة مجرد تكرار ومنهجة ما دعا له الأنبياء»:

1. الأخلاق الفاضلة «النهج الأخلاقي الذي يعكس الأفراد والمجتمعات».

2. المنفعة «ترجيح النفع على الضرر».

3. الإنصاف «البعد عن الانحياز والمحاباة والتمييز».

4. الصلاح «ترجيح المصلحة العامة».

يركز نهج الأخلاق الفاضلة في اتخاذ القرار على كيفية ونوعية التصرف والتفكير في العلاقات بخصوص الممارسات اليومية في المجتمع. هذا النهج لا يحدد صيغ معينة لاتخاذ القرارات الأخلاقية، ولكنه يشير إلى أن عند مواجهة معضلة أخلاقية معقدة، يتصرف الناس بما يشعرون براحة أكبر تجاهه. الافتراض يقوم على أن فضائلهم تسترشد بالناس للوصول إلى القرار ”الصحيح“. يعتقد مؤيدو الأخلاق الفاضلة أن النزعة «البديهة» لفعل الشيء الصحيح أكثر فعالية من اتباع سردية من المبادئ والقواعد، وأن على الناس أداء الأعمال الأخلاقية بدافع العادة وليس بغرض التأمل. على هذا النهج بعض الملاحظات لأنه لا يقدم دليلا عمليا ولا يمكن له أن يُعَرِّف الفضيلة بشكل موضوعي. وذلك لأن الفضيلة قد تكون ظرفية أكثر مما تكون نصّية. مثلا، قطع الصلاة أمر مذموم بدون شك. ولكن إن رأيت حياة إنسان في خطر وجب عليك قطعها لدرء الخطر عنه.

ينص النهج النفعي على وجوب اختيار الإجراء أو السياسة التي لها أفضل نتائج شاملة لجميع المعنيين، بشكل مباشر أو غير مباشر. والهدف هو العثور على أكبر فائدة من خلال تحقيق التوازن بين مصالح جميع الأطراف. المذهب النفعي يتناسب بسهولة مع مفهوم القيمة في الاقتصاد واستخدام تحليل التكلفة والعائد في الأعمال التجارية. يوازن مديرو الأعمال والمشرعون والعلماء فوائد السياسات وأضرارها عند اتخاذ قرار بشأن تحويل المزارع لأراضٍ سكنية، أو سن قانون جديد. من تعقيدات هذا النهج أن قياس ومقارنة قيم بعض الفوائد والتكاليف غالبًا ما يكون صعبًا، إن لم يكن مستحيلًا. كيف تحدد قيمة لحياة إنسان أو بيئة أو حياة فطرية؟ قد يكون من الصعب أيضًا التنبؤ بالمزايا والأضرار الكاملة التي تنجم عن اتخاذ أي قرار. مثلا، الناس تريد السكن بجانب أقاربها ولا تريد أن تبتعد كثيرا. فماذا يفعل أصحاب القرى المحاطة بالمزارع؟ هل نضحي بالمزرعة لأجل الإنسان؟ أو نضحي بالإنسان لأجل المزرعة؟ أو هل هناك حلول وسط، تجمع بين الاثنين؟

يركز نهج الإنصاف على كيفية توزيع الإجراءات والسياسات بشكل عادل للمنافع والأعباء بين المعنيين. المبدأ التوجيهي لهذا النهج يعني معاملة جميع الناس على قدم المساواة. ومع ذلك، يمكن أن تتأثر القرارات التي يتم اتخاذها بهذا النهج بالتحيز الشخصي، دون أن يدرك صُنّاع القرار تحيّزهم. إن كان الهدف المقصود من إجراء أو سياسة ما تقديم فوائد لمجموعة مستهدفة، فقد تعتبر المجموعات المتأثرة الأخرى القرار غير عادل. كما أن المساواة قد تكون مضادة للعدل. مثلا، لو كان هناك عمّال يُعْطَوْن طعاما بالتساوي، فهل من العدل إعطاء من يزن مئة كغم نفس حصة من يزن خمسين فقط؟

يعتمد نهج الصلاح العام في صنع القرار على رؤية جزء من الأمة كمجتمع يعمل أعضاؤه معًا لتحقيق مجموعة مشتركة من القيم والأهداف. تحاول القرارات والسياسات التي تستخدم هذا النهج تنفيذ الأنظمة والمؤسسات والبيئات الاجتماعية التي يعتمد عليها الكل والتي تفيد جميع الناس. تشمل الأمثلة الأنظمة التعليمية الفعالة، والرعاية الصحية المتاحة للجميع وبأسعار معقولة. كما هو الحال مع الأساليب الأخرى لاتخاذ القرارات الأخلاقية، لنهج الصلاح العام عواقب محتملة. من الواضح أن لدى الناس أفكارًا مختلفة حول ماهية الصالح العام، مما يجعل الإجماع أمرًا صعبًا. بالإضافة إلى ذلك، غالبًا ما يتطلب الحفاظ على الصالح العام أن تتحمل بعض المجموعات تكاليف أكبر من غيرها - على سبيل المثال، حينما يدفع الأغنياء لتأمين حياة صالحة للفقراء.

اتخاذ القرارات؛ خصوصا، الأخلاقية منها، ليس بالأمر السهل. وعليه تُنْشَأُ مؤسسات متخصصة للتصدي لمثل هذه الأمور؛ سواء، على مستوى الدول أو المجتمعات. وأنت أيها القارئ العزيز، شاور من حولك وأصحاب الرأي في اتخاذ بعض القرارات. ولا يجب عليك الالتزام بما ذكره الفلاسفة لأن بعض الخيارات قد تناسب مجتمعا ولا تناسب آخرًا. المهم، أن تحرص على أن تطبق الأخلاق الفاضلة التي تفيدك ولا تضر الآخرين.

 

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.