آخر تحديث: 1 / 12 / 2020م - 8:59 م

الطبيب المعلم

عبدالله المعاتيق

بينما كنت أنتظر دوري في الدخول على الطبيب باغتني أحد المرضى الجالسين بجانبي بهجوم لاذع على الأطباء. بدأ حديثه بأن قال أن الطبيب يسأل المريض أسئلة محددة مقتضبة ولا يطيل الكلام معه وإذا استغرق الموعد اكثر من عشر دقائق فالمريض محظوظ. إذ أن الطبيب دائما ينظر للمريض من برج عاجي وكأن الذي أمامه إنسان جاهل لايفقه شيئا. وتابع قائلا بأنه يجب على المريض أن ينقاد لكل مايفعله الطبيب، ولا يحق للمريض أن يتكلم أو يبدي رأيه.

استمر في الحديث وأنا أستمع له باندهاش، تابع وقال بأن الأطباء يتكلمون من أطراف ألسنتهم وكأن مهنتهم هي التكبر على الآخرين. ثم قال لا أعمم طبعا، لكن التجارب تثبت ذلك. فالأعم الأغلب هم من هؤلاء. أردف قائلا، هل هذا التصرف هو جزء من عقيدتهم التعليمية؟ أو هو تصرف شخصي؟ او أن نظرة المجتمع لهم هي من ألّهتهم وأعطتهم أكثر من حقهم؟

لازال يتابع الحديث حيث قال أن لا أحد ينكر بأن مهنة الطب هي من أقدس المهن وأهمها، لكن هذا لا يعطي الحق للأطباء بالتعالي على الآخرين. فكم من مريض هو أعلى درجة وشهادة علمية من طبيبه المعالج، لكن حاجته للعلاج، وليست حاجته للطبيب نفسه، هي التي دفعته لزيارة ذلك الطبيب، ثم وجه سؤالا لجميع من كان حاضرا في غرفة الانتظار قائلا، هل قمتم مرة بزيارة طبيب ما وبعدها قلتم لو أننا لم نأت لزيارة هذا الطبيب لكان أفضل! ماذا استفدنا؟ لقد قطعنا كل هذه المسافة ولكن بدون أية فائدة! هل حصل لكم ذلك؟ كان الكل يستمع لكلامه باستغراب ولا أحد ينبس ببنت شفة! فلقد كان هذا المراجع يتكلم بامتعاض شديد وتبدو عليه علامات الغضب وعدم الرضا عن الأطباء.

هنا انتهى حديثه حيث جاء دوره للدخول على الطبيب. بدأت أفكر في كلامه، ولا أنكر أني تعاطفت معه وتذكرت كثيرا من المواقف مع الأطباء والتي كانت تصرفات بعضهم هي مصداق لكلامه.

جاء دوري للدخول على الطبيب، ولكني كنت مرافقا لابنتي حيث كانت هي المريضة والطبيب هو طبيب أسنان.

استقبلنا الطبيب، على غير عادة ماذكر صاحبنا، بابتسامة عريضة وترحيب وسلام منقطعي النظير. بدأ الحديث بالتعريف بنفسه ومهنته بكل أدب واحترام وتواضع. ثم أجلس ابنتي على كرسي المعالجة وبدأ في تطبيب أسنانها. ثم بعد الإذن منا بدأ يطرح علينا بعض الأسئلة المتعلقة بصحة الأسنان والعناية بها بشكل عام. أخذنا نجيب على الأسئلة بما تيسر لنا من معلومات، وكان هو يضيف على إجاباتنا ويشرح لنا أشياء كثيرة لم نكن نعرفها من قبل ومما خفي عنا. أحسسنا وكأننا في غرفة محاضرات نتلقى الكثير من المعلومات الجديدة والمفيدة بشكل نظري وعملي من محاضر بارع.

أخذت هنا أقارن بين هذا الطبيب وذاك الذي كان يصفه صاحبنا. قلت في نفسي بأن كليهما طبيبان درسا في كلية الطب ولابد أنهما تلقيا نفس الدروس التي تحثهما على معاملة المريض باحترام وتبين لهما حقوق المريض على الطبيب. ولكن بالرغم من ذلك هنالك بون شاسع بين الطبيب في المثال الذي ذكره صاحبنا والطبيب الذي زرناه، ياترى ماهو السبب؟ لاشك ولاريب أن الإخلاص في العمل والتفاني في تقديم خدمة أفضل والإحساس بالمسئولية والخوف من الله ربما تكون من أقوى الدوافع التي تحث الطبيب، أو أي أحد، على القيام بعمله بصورة مثالية ترضي ضميره أولا

وترضي العميل أو الزبون، أو المريض في هذه الحالة ثانيا.

انتهت هنا حصتنا من الوقت في مقابلة هذا الطبيب. لم يكتف بتوديعنا، بل طلب منا المعذرة إن كان قد أزعجنا بكمية المعلومات التي نقلها لنا وقال بأن هذا ديدنه دائما، إذ أنه لايقوم فقط بمعالجة مريضه، بل يحرص أيضا على تثقيفه بالمعلومات الخاصة بمرضه وتزويده بالأدوات المعرفية للعناية بهذا المرض وتجنب ٱثاره المستقبلية.

خرجنا من غرفة الطبيب ونحن ممتنون له لكل ماقدم لنا من خدمات علاجية ومعرفية، تملؤنا الغبطة والسعادة بأن قابلنا هذا الطبيب، وتمنينا لو أن الوقت يطول بنا معه لنستقي من عذب علمه وخلقه أكثر وأكثر.

ونحن نهم بالخروج من العيادة، وإذا بصاحبنا يخرج من غرفة طبيبه أيضا مكفهر الوجه، تبدو عليه علامات الغضب وقد أغلق الباب بأقصى قوته قبل أن يغادر. هنا أحسست بأن صاحبنا ربما كان على حق، حيث يوجد من الأطباء من تسعد وتستفيد بلقائه، ومنهم غير ذلك. هنا أطلقت لقب 'الطبيب المعلم' على طبيبنا، فهو بحق ليس طبيبا فقط، بل معلم أيضا.

أتمنى من كل الأطباء، الذين ذكرهم صاحبنا، أن يحذوا حذو هذا الطبيب المعلم بأن يزكّوا عملهم وأن يكونوا مصداقا للحديث الشريف المروي عن رسول الله ﷺ حيث قال: ”زكاة العلم تعليمه من لا يعلمه“، وعن الإمام عليّ : ”زكاة العلم بذله لمستحقه“، وعن الإمام جعفر الصادق : ”لكلّ شيء زكاة وزكاة العلم أن يعلّمه أهله“.

لايفوتني أن أذكر لكم بأن هذا الطبيب المعلم هو الدكتور علي آل علوي، الطبيب بعيادة الأسنان في أحد أكبر المستشفيات بالمنطقة الشرقية. شكرا لك أيها الطبيب المعلم.