آخر تحديث: 23 / 1 / 2021م - 10:51 م

الحب الهارب من العيون

عبد الباري الدخيل *

يقال إن الصّب تفضحه عيونه، وهذا ما كاد يحدث معي أمس، فلولا لطف الله لكشف أخي أنني مغرمة بك.

منذ أن عرفتكَ بالصدفة في المكتبة المجاورة لبيتكم، وأنا أخفيكَ عن العيون والآذان، فقط أنا وحدي أتأمل تلك اللحظة الساحرة.

كنت اسأل العامل في المكتبة عن رواية ”عائد إلى حيفا“ لغسان كنفاني، فأجابني أنها غير موجودة، وفجأة خرجتَ من بين الكتب كماردٍ وقلتَ لي: إنها موجودة عندي سأعطيها لأختي كوثر لتوصلها لكِ.

كيف عرفتني؟

كيف عرفت أن أختك تدرس معي في فصل واحد؟

كيف عرفت أننا صديقات؟

كنتَ تتلصص على زياراتي لها، وتسألها عني، أليس كذاك؟

كان هذا الكتاب هو مفتاح مكتبتك التي فتحت أبوابها أمامي واحتضنتني بكل حب وحنان، ثم رمت قلبي بسهم حبك القاتل.

كنت أزور كوثر لأستعير كتابًا أو أرجع آخر، ثم صرت أستعير الكتب لأراك، واستأنس بالنقاش معك حول ما قرأت وما سأقرأ.

كنتَ حاضر البديهة، تمتلك ذاكرة حديدية، نظّارتك السميكة تدل على عدد الكتب التي قرأتها، لكنك بكل تواضع كنت ترفعها وتقول: لم اقرأ حتى الآن ما ينبغي أن يقرأه شاب في عمري.

كنتَ بالنسبة لي ببلوغرافي الكتب، وقاموس اللغة، تشرح لي الكلمات التي لا أفهمها، وكنتَ الصوت الدافئ الذي يذيب القصائد في فمه ثم ينفثها كالسحر فتطوّق القلوب والأرواح.

كنتُ اسرق القصائد وأنسبها لك، وأدعي أنها عنّي، وأسترقُ النظر لعينيكَ وهما تتوهجان في ساحة الشعر ومعابد الشعراء.

حتى تمكن حبكَ من قلبي، وامتلأ كأسي من عذب حديثك، وتلألأت نجوم أحاديثكَ في سماء سهري ونومي، وصرتُ أتحدث معك في غيابك، وأبوح لك بمشاعري التي يخجلني ذكرها في وجودك.

هل تذكر يوم أن قلتُ لكَ: أحبك؟

ثم هربتُ لأكثر من عشرة أيام حياءً منك؟

ولولا رسالتك المخبأة في ديوان جاسم الصحيّح لما عدت.

أمس كاد شوقي لك يفضحني، فقد مدّ عليّ أخي مبلغًا ماليًا وقال: ”هذي من عند ناصر“.. تفاجأت.. بل كادت روحي أن تفارق جسدي.. اسم ناصر يخطف قلبي فكيف وقد باغتني بهذه المفاجأة؟

ولماذا ناصر يعطيك مالًا لي؟

قلت: ماذا؟

وأعاد نفس الجملة.

وأعدت السؤال: ماذا؟

قال: هل أنت غبية؟

كدت أن أقول نعم لولا أنه قال بعصبية: ”هذي اعطيها أبوك إذا جا قولي له من عند ناصر“.

قلت بقلب مرتجف مخطوف، ووجه مصفر: على أمرك يا.. وفي قلبي: يا ناصر يا حبيبي.