آخر تحديث: 21 / 1 / 2021م - 10:34 ص

نوعٌ من الفقر

كمال بن علي آل محسن

الفقرُ مصطلحٌ يخافه الناسُ، ويقلقهم ويقضُّ مضاجعهم، فهو المحركُ الرئيسُ لكثيرٍ من أمورهم وسلوكهم الحياتي، والقوةُ الدافعةُ لهم لأن يُقْدِمُوا على القيامِ بسلسلةٍ من الخطواتِ التي لا تخلو من الجرأةِ والمغامرةِ في مجملها؛ كي لا يقعوا ضحيةً له، ولا يصنفوا كفئاتٍ فيه. هذا التصرفُ هو طبيعةٌ إنسانيةٌ تحاولُ أن تدرأَ عن نفسها الولوجَ في خانةٍ صعبةٍ وعسيرةٍ يتعذر معها العيشُ في هناءةٍ وبهجة، فتحاول بكل ما أوتيت من قوةٍ أن تحاربَ ذلك العدوَّ الشرسَ الذي يفرضه واقعُ الحالِ والمالِ؛ لتتغلبَ عليه، وتنتصرَ انتصارًا مؤزرًا، يحفظ لها كرامتها، ويصونها من الحاجةِ وذل السؤال.

الفقرُ حالةٌ اجتماعيةٌ تتفاوتُ في مداها بين المجتمعات، وتسعى الأممُ والشعوبُ جاهدةً في محاربته، بوضعِ برامج مقننة ومدروسة، وتقديم حُزَمٍ من المساعداتِ والإغاثاتِ العاجلةِ والطارئةِ كلما دعت الحاجةُ لذلك، والهدفُ المعلنُ لكل تلك الجهودِ هو تخفيفُ الآثارِ المترتبةِ عن الفقرِ بما يضمنُ تحقيق الحد الأدنى من الحياةِ المقبولة.

معظمُ الجهودِ التي تُقدمُ وستقدمُ هي موضعُ ترحيبٍ وإجلال، ولكن لِمَ لا تقوم تلك الأممُ والشعوبُ بأمورٍ قد تختلف في طريقتها وأسلوبها لمعالجة حالةِ الفقرِ والبدء في معالجةِ ومكافحةِ نوع آخر من الفقر لا يتعلقُ بالماديات بصورةٍ مباشرة، لكنه ينخرُ في الأخلاق؛ ليفسدها ثم يدمرها كليًّا، إنه فقرُ الأخلاق؟! وهو آخذٌ في التوسعِ والانتشارِ في المجتمعاتِ بصورةٍ كبيرة، والكل يراه ويشاهدُ تغلغله، ومع ذلك لا نرى تحركًا حقيقيًا ضده كما نراه في الفقرِ المادي إلا في حالاتٍ خجولةٍ لا ترقى والإحساس بطبيعةِ المشكلةِ ومآلاتها، مع أنها لا تقلُّ ضراوةً وشراسةً وعداوةً لأي مجتمعٍ إنساني يعيشُ على هذا الكوكب، والآثار الناجمة عنها هي أكثرُ وأكبرُ من أي نوع آخر من الفقر.

فقرُ الأخلاقِ هو الفقدُ الكلي أو الجزئي للأخلاقِ والسلوكياتِ التي تنظمُ التعاملَ مع الناس؛ مما يؤدي إلى تشويهِ العلاقاتِ وبروزِ العداواتِ وإحداثِ شرخٍ عميقٍ يتعاظمُ مع استمرارِ وتضخمِ الفقرِ الأخلاقي وتفشيه، فيُحدثُ تصدعًا في أعمدةِ وجدرانِ البناءِ الواحد، مما ينتجُ عنه انهيارًا في المجتمع، يتعسرُ السيطرةُ عليه والتعاملُ معه بكافةِ الوسائل.

إنَّ الفقرَ الأخلاقي كظاهرةٍ نلاحظها - بعيونٍ يملؤها الأسى والألم - بصورةٍ متكررةٍ لها أسبابها المتعددةُ والمتشعبةُ والمترابطةُ التي تؤدي إليها، والتي يؤثر كل منها في الآخر، نذكر منها بإيجاز يفرضه المقال:

- سوء التربية، وعدم قيام الأسرة بدورها الحقيقي والفعّال تجاه الأبناء، وتركهم لمواقف الحياة التي تعصف بهم دون توجيه أو إرشاد.

- غياب القدوة الصالحة داخل بعض الأسر.

- غياب قانون الثواب والعقاب بأنواعهما.

- ضعف الترابط الأسري، وغياب لغة الحوار البنّاء بين الوالدين والأبناء.

- ضعف الرقابة الأسرية والمجتمعية فيما يتعلق بالمحتوى الذي يشاهده الأبناء كل يوم في ذلك العالم الكبير والمعقد «الإنترنت».

- غياب القراءة الموجهة الواعية، والتي تقف كسد منيع يحمي به الإنسان فكره وعقله وخلقه من كل ما يشينه أو يدنسه أو يؤثر سلبًا فيه.

وليس عندنا من سبيلٍ لكي نمنعَ أو نقللَ قدرَ الإمكانِ من ذلك الفقدِ الخطيرِ للأخلاقِ إلا بأداءِ أدوارنا كل فيما يخصه، مع تكامل تلك الأدوار، وإيجاد حلول جذرية - طابعها الإخلاص والتفاني من قبلِ المؤسساتِ الاجتماعيةِ والتربويةِ ذات الصلة - لكل الأسبابِ التي تجعلُ من ظاهرةِ فقرِ الأخلاقِ واقعًا مفروضًا على المجتمع، وإحلال واقعٍ جديدٍ يختلفُ كليًّا عما تعودنا رؤيته، واقع غني بالأخلاقِ بما يحققُ استقرارًا وتصالحًا وعلاقاتٍ طيبةً بين كافةِ الفئات.

نختم المقال ببيتين لهما نصيبٌ من الموضوعِ للشاعر حافظ إبراهيم يقول فيهما:

فَإِذَا رُزِقْتَ خَلِيقَةً مَحْمُودَةً

فَقَدِ اصْطَفَاكَ مُقَسِّمُ الأَرْزَاقِ

فَالنَّاسُ هَذَا حَظُّهُ مَالٌ، وَذَا

عِلْمٌ وَذَاكَ مَكَارِمُ الأَخْلَاقِ