آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 8:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من يقطع الجسور؟

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

قبل أيام، أتيح لي أن أقطع جسر بروكلين أحد أقدم الجسور المعلقة في العالم، الذي يربط مانهاتن وبروكلين في نيويورك، لقد كان هذا الجسر الذي لا يتعدى طوله 1825 مترا مدهشا، لكن قصة إنشائه كانت أكثر إدهاشا.

فقبل 144 عاما أي في عام 1869 حاول مهندس متحدر من أصول ألمانية أن يبني جسرا فوق نهر الشرق «الإيست ريفر» يربط جزيرة مانهاتن ببروكلين، ويمثل شريان التواصل بين المنطقتين. وكانت الفكرة التي طرأت للمهندس جون أوغستوس روبلينغ تقضي بتشييد أضخم جسر معلق في العالم، وأول جسر في العالم تستخدم فيه الحبال الفولاذية، وقد بدت هذه المهمة مستحيلة ورفضها خبراء بناء الجسور. لكن المهندس الطموح أصر عليها متسلحا بهمة مهندس شاب وطموح قاسمه الحلم، هو ولده واشنطن.

حول المهندس روبلينغ أفكاره إلى تصاميم واستعان بفريق عمل لتنفيذ المشروع رغم معارضة الجميع، ورغم التقدم الهائل الذي أحرزه الفريق أصيب المشروع بنكسة قاتلة، فقد وقع حادث مأساوي أصيب خلاله روبلينغ مما اضطر لبتر قدمه لكنه توفي بعد أيام بداء «التايتانوس»، كما أصيب ولده واشنطن في الرأس مما تسبب في شلله بشكل كامل، ما عدا قدرته العسيرة على تحريك أصبع واحد في يده. لكن الإصرار والتحدي دفع المهندس الشاب لانتشال حلمه وحلم والده من الزوال، وتمكن أن يطور، مستعينا بزوجته، وسيلة تواصل مع المهندسين وفريق العمل حيث درّب زوجته على تلقي رسائله المشفرة عبر النقر بالأصبع الوحيد القادر على الحركة، وتحويلها إلى جمل ساهمت في بثّ الحماس من جديد في العمال والمهندسين، ثم القيام بشرح التصاميم وإعطاء التوجيهات لطريقة التنفيذ، وعلى مدى 13 عاما كانت الزوجة تنقل الرسائل التي يبثها مهندس قعيد الفراش وتشكل مراحل تنفيذ المشروع الذي دشن رسميا يوم 24 مايو «أيار» من عام 1883، ويعتبر اليوم أحد أهم المعالم السياحية في نيويورك، وأدرج هذا الجسر في عام 1964 على قائمة «المعالم التاريخية الوطنية» الأميركية.

في وقته كان هذا الجسر يمثل قصة نادرة، أما اليوم فهناك العشرات من الجسور حول العالم، لكن قيمة هذا العمل بقيت تلازمه كرمز وعنوان لإرادة الخير والتواصل بين البشر، ساهم هذا الجسر في تخفيف إن لم يكن «تذويب» الفروقات بين الناس بشكل تدريجي عبر تواصلهم وتوسيع حركة التبادل بينهم.

اليوم في عصر التواصل هناك من يصر على تقطيع الجسور، ونسفها، وإشاعة ثقافة العزلة والانقطاع. لم يتعلم كل المثقفين من حملة الأقلام أو خطباء المنابر الفضائية الذين لا همّ لهم سوى التخويف والترويع وبث الدسائس ورجم الناس، وبث مشاعر الكراهية وإثارة الضغائن ونبش الماضي، وتجريح المشاعر، وتقسيم المجتمعات وتفتيت أواصرها.. لم يتعلموا أن هذا السلوك المشين ليس فقط لا يليق بحملة الفكر، ولكنه يكرس انطوائية حامليه، وعزلة المبشرين به، وخراب بيوتهم، قبل أن يفتك بالآخرين.. أجواء الكراهية سامة وخانقة ولا تعطي مناعة لمن يستثيرها.

هناك حاجة إلى تشييد الجسور رغم كل الإحباطات والعوائق، وهي المهمة الأولى للمثقف الحقيقي، التي انشغل عنها مدفوعا بانتهازية ركوب الموجة الجماهيرية الأعلى صخبا. وهناك حاجة إلى أن يعي المثقف الديني خاصة أن مسؤولية الحفاظ على السلم الأهلي تبدأ بأن يلجم لسانه عن دفع الناس أن يكرهوا بعضهم، أو أن يقسمهم إلى سماطين.

فسلامة البلاد والأوطان وصيانتها ليست تجربة عاثرة الحظ لكاتب تستهويه التعليقات أسفل ما يكتب، أو خطيب يفتش عن تصفيق أو «لطم»، هي مهمة بقدر ما يعني صناعة مستقبل خال من الشحناء نورثه لأطفالنا.