آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 6:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

من يجرؤ على الحوار؟

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

ليس الحديث عن الكتاب الجريء للسياسي والسيناتور الأميركي بول فندلي، الذي يحمل اسم «من يجرؤ على الكلام؟»، لكن الحديث عما يعانيه أهل الفكر والثقافة اليوم، حيث أصبح الكثير منهم قابعا في سجن أفكاره لا يجرؤ على الكلام.

تقليديا كانت السلطة متهمة بمناهضة حرية الفكر والإبداع. لكن الحقيقة أن قيود السلطة تبدو في كثير من الأحيان متهاودة إذا ما قورنت بـ «سطوة النسق السائد»، وتقاليد الجماعة الصارمة، التي تمارس سلطة أشد فتكا مما تواجهه السلطات الأمنية والسياسية.

ممنوع على المثقف أن يكون حرا، وأن يشعر بفردانيته في عصر لا ينظر للمرء إلا باعتباره جزءا من مجموع، أو تابعا لفصيل اجتماعي، أو منتميا لقبيلة أو دين أو طائفة. إنهم يفتشون عن أصغر الانتماءات لكي يحشروا الكائن البشري بكل عنفوانه داخلها، وأسوأ من ذلك أن الإنسان ينجذب تحت إلحاح الخوف أو التخويف للارتماء في حضن الجماعة التي توفر له الأمان الظاهري لكنها تسلب منه حريته وفردانيته وقدرته على التفكير خارج أنساقها البالية.

أصبح جمهور المثقفين مجرد أعضاء في «جوقة» القبيلة الثقافية، يتعاطون مع الرأي والفكر باعتبارهما أدوات التبرير وعناصر التأثير الفوضوي، وليس أدوات إبداعية خلاقة وحرة. أغلب مثقفينا أصبحوا «نسقيين» لا يختلف تفكيرهم ومنتجهم عما يردده العامة على المقاهي ومنتديات التواصل الاجتماعي، وتعجب أن النسق أصبح طاغيا بحيث لا يمكن لأي أحد الخروج عن عباءته.

في المقلب الآخر، تمارس الجماعة الثقافية هيمنتها على الفرد بطريقة متوحشة، حتى لكأنها أشد فتكا بحريته من كل القيود النظامية الفاقعة الصرامة. لا تسمح الجماعة بالتعدد، ولا بالاختلاف، ولا بحرية الحركة الفكرية إلا بمقدار ما يدور في فلكها أو يقوي هياكلها. وهي لا تسمح بتكوين اتجاهات ناقدة أو معارضة تحفر في أساسيات المباني الفكرية التي تعتمدها. بمعنى أن الجماعة تريد أفرادها مجرد «براغي» في ماكينتها الدعائية، لا تسمح لأحد بأن يقف في وجه القطار ويسأل: إلى أين نحن سائرون..؟

كل جماعة فكرية تدعي الانتماء لروح العصر، وتمارس القمع الفكري على أفرادها، هي في حقيقتها مجرد نظام بطريركي وقبلي في آن واحد. والتمسك بهذه النظم مجرد عائق آخر أمام التقدم.

أما المثقفون المتخاذلون الذين لا يرون أنفسهم إلا جزءًا من «القطيع»، فهم أيضا يتحملون مسؤولية تأجير عقولهم «شققا مفروشة» لأفكار القبيلة، ونسق الجماعة، وعليهم الكف عن نقد غياب الحرية حينما يتنازلون تقليديا عن أولى درجاتها.

كان من المؤمل أن تنتج التحولات العاصفة في العالم العربي تعزيزا لقيمة الفرد. لكن الحقيقة أن الفرد أصبح الخاسر الأكبر لصالح الجماعة المهيمنة وفكرها السائد. وأسهمت زمرة المثقفين والمعلقين في تقسيم الناس إلى «فسطاطين»، و«جماعتين»، و«لونين»، تضيع داخل هذه التقسيمات حياة الفرد الإنسان الحر الذي كرمه الله بالعقل والتفكير وأعطاه إمكانية وحرية استخدامهما.

الواقع الحالي يحتاج لكثير من النقد، على مستوى أداء المثقفين من أدباء وشعراء وروائيين وصحافيين وكتاب وفنانين، الذين أصبحوا مجرد تابعين لأنساقهم الفكرية، أو للجماعة المتسلطة التي تمارس التخويف والترويع وما يشبه «الحرمان الكنسي» ضد كل من يخرج عن أسر قيودها الفكرية.

في النهاية نحن خلقنا أفرادا وسنبعث أفرادا. قال تعالى: «وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ» «الأنعام 94».