آخر تحديث: 18 / 4 / 2021م - 4:24 ص

تعقيدات اجتماعية

ورد عن الإمام الحسن العسكري : لا تكرم الرجل بما يشق عليه» «بحار الأنوار ج 75 ص 347».

يحدثنا الإمام العسكري عن مسألة اجتماعية مهمة تتعلق ببنيان وأسس العلاقات الأسرية والاجتماعية عموما، من أجل أن تسير في طريق الاستقرار والنجاح والفاعلية المتبادلة، وهو عدم إرهاق الطرف الآخر بأي أمر يشق عليه ويحرجه ويثقل عليه، مما يخرج تلك العلاقات الجميلة عن الأهداف والغايات المتوخاة منها، والتي ينتظر منها ألفة القلوب وإقامة جسور الثقة والتعاون والتواصل الإيجابي، ومن أجل ذلك كانت الحوارات المفيدة وتبادل وجهات النظر والنقاش حول أي مشكلة تهم الجميع هي من ثمار هذه العلاقات النشيطة، وكذلك التكاتف وضم قدرات أفراد المجتمع المختلفة تمثل نواة لأعمال تخدم الجميع.

وتلك اللقاءات والجلسات بين أفراد المجتمع لا ينبغي أن نضم إليها ما يخرجها عن الإطار المرسوم لها، مما يجعلها ثقيلة على النفوس فيتذرع الكل بأسباب واهية من أجل تلاف التواجد فيها، وهذا ما نسميه بالتعقيدات الاجتماعية والتكلفات التي استجدت على سطح مشهد العلاقات الاجتماعية بما ينبغي النظر لها وتلافيها، والأمر لا يقتصر على المصداق الأبرز لها وهو التكلف في الضيافة وتقديم الطعام والقاعات الفاخرة لذلك، بل التحذير يشمل كل الجوانب من جهة الوقت والجهد وطرق الحوار، مما جعل الناس تستشعر مضارها وأصبحت محط النظر السلبي، فأصبح البعض يطالب بقطيعتها دون أن يفرق ما بين تلك الاجتماعات المفيدة وبين تلك الإضافات والرتوش التي تستنزف الأوقات والجيوب!!

التوجيه الاجتماعي من الإمام العسكري يشمل كافة الأشكال التي تخرج العلاقات الأخوية عن مسار الارتياح وتبادل المشاعر والاطمئنان على الآخر، وذاك من خلال الأنماط الدخيلة التي تسبب ثقلا على الآخر، فانظر - يا رعاك الله - إلى التباهي والتفاخر بمراسيم تقديم الضيافة في الزيارات ومظاهر البذخ في الزواج إلى أين أوصلنا من مشقة مالية أورثت العزوف النفسي بل والحضوري إليها، فأضحت تلك المناسبات الاجتماعية هما وتعبا بدل أن تكون مناسبات ملؤها الفرحة والسرور والانسيابية في حضورها، وإذا بنا نرى الانكماش والانسحاب منها بمختلف الأعذار بعد أن أفسد التكلف تلك اللقاءات.

والجلسات الأسرية وتزاور الجيران كان المقصد الأهم منه الأنس والاطمئنان على الآخرين، ولذا كانت محط الجاذبية والترحيب من الجميع بما تحمله من تبادل الهدايا البسبطة المعبرة عن مشاعر الود، وإذا بنا نرى اليوم ذلك البيت الذي سيستضيف الأرحام أو الجيران يعيش حالة استنفار بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فمن جهة الضيف أو الزائر أصبحت لتلك اللقاءات مراسيم خاصة لا يمكن تجاوزها، فمناسبة زيارة المرأة الواضع أو عيد ميلاد أو تعارف تعني حمل هدايا غالية الثمن، ومن جهة أهل بيت الضيافة عليهم تقديم الماكولات والمكسرات ومستلزمات الضايفة، بحيث أصبحت النظرة اليوم للكريم تقاس بقدر وعدد صنوف الأطباق المقدمة، وبالتالي فإن تلك الزيارات خرجت عن هدفها الأسمى من تبادل الأحاديث الودية وأطل العزوف وتجنب تلك اللقاءات بسبب الإرهاق المالي والتكلفات الزائدة، من أجل مباهاة الآخرين وتنزيل المقاطع المرئية في مواقع التواصل الاجتماعي.

المكافأة الحقيقية للزائر لا تكون بالمشقة والتكلف الكبير في مظاهر الضيافة، وإنما تكون بحسن الترحاب وتبادل أحاديث ملؤها الاحترام والتقدير والود له، وتقوية أواصر تلك العلاقات بالاهتمام بأحواله والرعاية والتواصل بعيدا عن الحسابات الضيقة للمصالح، وتجنب كافة أشكال التوتر والسخونة في الحوارات واحترام وجهة نظر الآخر.