آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

المقال الساخن والمقال البارد

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

يسري في إعلامنا الوطني المطبوع والافتراضي ظاهرة المقالات الساخنة التي تتميز بالإثارة والنقد الساخن المفعم بالحماسة والتثوير في نقد الظواهر الاجتماعية.

بالرغم من اتصاف المقال الساخن بكل هذه العناصر و الحيثيات إلا أن ذلك لا يقلل من شأنه باعتباره أحد أهم العناصر المؤثرة في الحضور المدني للمجتمع في حثه للمساهمة الفعالة في الرقابة فالمقالات الساخنة النقدية للقضايا الخدمية التي تثير الاهتمام بحجم التقصير في انجاز الخدمات وتراجعها تجذب اهتمام طبقة واسعة من المجتمع وتمثل النسبة الاكبر من الرسائل المتداولة في وسائل الارتباط الاجتماعي. كما لا يمكن التقليل من شأن المقالات الساخنة التي تتناول الافكار القاتلة التي تتسبب في شلل مفاصل الحركة الاجتماعية للتطور والتبدل نحو الأحسن.

سخونة هذا الشكل من المقالات والتي يقف وراء انتشارها الواسع الاعلان والاشهار للقضايا المسكوت عنها او الامور التي طال الانتظار عليها. اما المقالات الباردة والتي تلفت انتباه نسبة محدودة من القراء وتشكل عددا ضئيلا من المتداول على صفحات الارتباط الاجتماعي هي التي في مجملها ذات طابع تحليلي تفكيري يركن لاثارة التمعن والتدبر ولا يمتلك محتواها طابع الاثارة والنقد اللاذع.

و يرجع الاهتمام البالغ كما يبدو بالمقالات الساخنة لعوامل نفسية وتلعب هذه المقالات دورا نفسيا في ارخاء حالة الاحتقان النفسي للمجتمع. يتداول المجتمع المقالات الساخنة تعبيرا عن السخط في الظاهر ولكن في الواقع ضعف الحضور الايجابي، فيكتفي في اغلب الاحوال - إلا ما ندر - بتداول المقال والتغني به. اما القيمة الاعتبارية لمثل هذه المقالات فهي آنية التأثير وذات طابع التهابي نفاث سرعان ما تتراجع آثارها ليرجع الحال الى نقطة الصفر لانها تفتقر لعدة من العناصر التي تكسبها الديمومة والاثر الاصلاحي اهمها افتقارها لبعد الاطروحة والمعالجة الواقعية للمشكلة المثارة وغلبة طابع التذمر من ظاهرة التخلف والفساد.

بالرغم من اتصاف المقال الساخن بكل هذه العناصر والحيثيات الا ان ذلك لا يقلل من شأنه باعتباره احد اهم العناصر المؤثرة في الحضور المدني للمجتمع في حثه للمساهمة الفعالة في الرقابة والمشاركة في التطوير المدني. ان المقال الساخن يعتبر ذراعا ثقافية مهمة للسواد الأعظم من الناس للاطلاع على الحراك المدني والثقافي وتحديد العناصر والاسباب التي تقف وراء تأخر او عرقلة هذا الجانب أو ذاك.

إن ردة الفعل من المقال الساخن هي التي بحاجة للتطوير والتحسين، فكاتب الرأي المثقف والمفكر يبذل ما بوسعه لإطلاع المجتمع على ما يدور ولكن حضور المجتمع في تحسين مشاركاته يجب أن يكون بمستوى ما يثيره المقال الساخن وتميزه بالانفجار البالوني الآني الذي سرعان ما يختفي يرجع للطبقة العريضة من الناس التي تتناوله بعنوان التنفيس والهروب من الواقع لا التعاطي معه من زاوية التنبيه وضرورة التفكير الجاد في التصدي للظاهرة المطروحة.

و هنا يأتي الاثر التكاملي لهذين الشكلين من المقالين الساخن والبارد، فلا يمكن للساخن ان يكون مساهما لوحده في الشراكة المدنية للمجتمع لان المقال البارد يمثل البعد التحليلي للقضايا المثارة ويعمل على طرح العلل والاسباب وراء ظهورها ويتميز بشكل كبير في اقتراح الحلول والمعالجات. فالبارد والساخن هو الطعام الثقافي المعتدل الذي يشتمل على التغذية الفكرية السليمة للمجتمع ليدفعه نحو الاعتدال والوسطية فدوام البارد بالساخن ولا دوام لساخن بدون مقال بارد.