آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 11:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

التسامح في قواميس السياسة

علي جعفر الشريمي صحيفة الوطن السعودية

المُتابع للمشهد السياسي اليوم على امتداد الكرة الأرضية وما يدور فيه من صراعات ساخنة تداخلت فيها الأجندات الدولية والإقليمية على بعضها البعض في شكل بالغ التعقيد، سيُدرك وبوضوح مدى تلازم هذا المشهد مع واقع حال المجتمعات العربية والإسلامية، وما أفرزته من صراعات ونزاعات ومجازر دامية بعضها مشهود والآخر موعود، وكأننا نستحضر تاريخيا صور المذابح الوحشية لغزو التتار في الأزمنة الغابرة، لتأتي ثورات الربيع العربي لتُجلي هذه الحقائق وتظهرها في العلن كواحدة من السيناريوهات الحقيقية المدوية على المسرح السياسي العالمي.

إن الأمر الذي يثير حنق الكثير في مجتمعاتنا في خضم هذه الأحداث هو أن ما يجري يتم بين إخوة يشتركون في دين واحد ومنظومة فكرية واحدة، وينتمون إلى نفس الأرض، وإلى نفس العرق، وحسب الإحصائيات الواردة في تقارير حقوقية، أن المئات يلتحقون بالشهداء والجرحى والمفقودين كل يوم في مشاهد لا يملك من يراقبها إلا أن يتأوه ويتحسر على الحال التي وصلت إليها البشرية.

نعم، إنه أمر يدعو للغرابة، ففي القرن الواحد والعشرين وفي عصر الثورة التكنولوجية الذي يتباهى الإنسان فيه بغزوه للفضاء، وتسخيره لثروات الكون، ومحاربة الأمراض الفتاكة والمستعصية، ومواجهة الفقر، والحد من المخاطر التي تهدد البشرية تجده يستنزف كل طاقاته في الصراع والنزاع، إنني أتساءل: هل هذا هو قدر الانسان العربي الذي يلاحقه؟ أم أنه هو الذي صنع قدره بنفسه؟ لا أخفيك عزيزي القارئ إن قلت إنني إلى وقت قريب كنت أعزو العوامل الرئيسية في كل هذا الواقع إلى سلسلة المخططات التي كانت منطقتنا هدفاً لها بسبب الأهمية الاستراتيجية والثروات النفطية التي تمتلكها، ولكني وصلت إلى أن السبب الرئيسي يقوم على كلمة واحدة هي كلمة السر "التسامح"، نعم هي كلمة سر؛ لأنها من المفردات المسكوت عنها في قواميسنا السياسية العربية، الأمر الذي ساهم في تراكم تلك العوامل بمرور الوقت، فهي ـ أي عدم التسامح ـ كالبركان الخامد تبحث فيه عن نقطة ضعيفة في بنية النظام السياسي العربي لتنفجر بأشكال ونكهات سياسية مختلفة.

إن الحقيقة التي نتجرعها مع شديد الأسف هي أننا لم نعرف التسامح إلا في قواميسنا الأخلاقية كحزمة من القيم الشائعة عن الصدق والوفاء والشجاعة والتواضع.. ولكننا لم نُفعلها في ميدان السياسة. ليكون السؤال الحقيقي: ما هو التسامح في القواميس السياسية؟ الخبير السياسي «ديلو» عرفها بأنها الفضيلة التي تقود إلى توفير الحقوق الأساسية للمواطنين، وجاء في قاموس «لاروس» السياسي أن مفهوم التسامح يعني "قبول آراء الآخرين وسلوكهم على مبدأ الاختلاف، وهو يتعارض مع مفهوم التسلط والقهر والعنف، ويعد هذا المفهوم أحد أهم سمات المجتمع الديموقراطي" ويعرفها الباحث السياسي "بيزاني" بأنها: معاملة الآخرين كبشر بصرف النظر عن ألوانهم وانتماءاتهم الدينية والعرقية والمذهبية أو خلفياتهم الاجتماعية.

إذا كانت فضيلة التسامح راسخة في أدبياتنا الأخلاقية فلماذا تشهد مجتمعاتنا الإسلامية بين الفينة والأخرى صخباً متنامياً يدعو للعصبية الدينية والمذهبية بالرغم من الدعوات المستمرة إلى مواجهة ومحاربة كافة أشكال التمييز العنصري؟ إن غياب التسامح السياسي في مجتمعاتنا هو الذي أدى لوقوع مثل هذه الصراعات الداخلية، لذلك بات من الضروري دق جرس الخطر في العمل سريعا على وضع تدابير إدارية وتشريعية وقضائية لمواجهة داء التطرف والعصبية والطائفية لدفع ما سيقع من صراعات دموية في منظومة العلاقات الدولية والإقليمية.

يبقى السؤال المحير: إذا كان التسامح السياسي قيمة فما الذي يمنع أصحابه من انتهاجها؟ الإجابة تكمن في سؤال آخر من شقين؛ الأول هو: هل يحق للجماعات غير المتسامحة أن تتذمَّر عندما لا يجري التسامح معها؟ والثاني هو: هل للجماعات أو الحكومات المتسامحة الحق في ألا تتسامح مع غير المتسامحين؟ الباحث «جون رولز» في كتابه "نظرية العدالة" أجاب عن الشق الأول بأنه ليس من حق الجماعات غير المتسامحة أن تتذمر عندما لا يجري التسامح معها. وفي إجابته عن الشق الثاني، اعتبر أن على السلطة أو الدولة أن تعامل غير المتسامحين بطريقة متسامحة ـ حتى إن لم يكونوا متسامحين ـ شريطة ألا يكون في ممارسة التسامح أي تهديد أو تعريض لمؤسسات الدولة.

ختاما أقول: إن عدم التسامح السياسي يكرس في ثناياه المنطق القائل "بأن قهر الشر لا يأتي إلا بالشر"، وهذا ما يعود بنا إلى نقطة الصفر أو ما يسمى في السياسة بـ "دائرة الصراع الصفري".