آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 10:37 ص

صوموا لرؤيته

محمد حسين آل هويدي *

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ «5» - يونس.

للأسف الشديد، بدل أن يبارك لنا إخواننا المؤمنون بالعيد السعيد يتلقى بعضنا الشتم والتهم لأجل اختلاف ضئيل جدا، وهو تحديد رؤية الهلال أو دخول الشهر. لقد نقلتُ في تويتر وفيسبوك بعض آراء الآخرين، وبالرغم من عدم تعليقي بالرضا أو السخط، تلقيت اتهامات أقلها أنني علماني، جاهل، غير مؤمن، لا حقوق لي، وهلم جرا. هؤلاء يدعون الوصل بعلي الذي قال: «الإنسان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». اعتبرونا نظراء لكم، على الأقل.

يبدو أن كثيرا منا جُبلوا على حب الاختلاف والنزول به إلى أردى مستويات الإنسانية والأخلاقية، بالرغم من أن الله ورسوله ﷺ وأهل البيت نهونا عن ذلك: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ «46» الأنفال. وهذا الشقاق والحراب لأناس لا يفهمون الموضوع يؤيدون أشخاصا آخرين، الذين هم ربما لا يفهمون الموضوع من جميع النواحي الرياضية أو العلمية أو الهندسية، ولكن هذا هو الحال، والله المعين.

اسمحوا لنا أن نشرح الموضوع بهدوء ورويّة وبشكل مبسّط جدا لعل الله يهدينا إلى سواء السبيل. القمر يمّر بمراحل يبدأها بمحاق كامل ثم يتدرج بين الأهلة إلى أن يصبح بدرا ومن ثم يبدأ بالتناقص إلى أن يعود محاقا كما كان. في حال المحاق، لا يمكن رؤية الهلال إطلاقا. مع بداية الولادة يبدأ الهلال تدريجا بالتزايد ويحتاج إلى نسبة سطوع لا تقل عن 3% لكي تراه العين المجردة بسهولة ويسر. قبل أن نسترسل في الأمر، دعونا نعرج على بعض الرسومات البيانية لنتصور الأمر في أذهاننا.

بعد النظر للشكل الأول، يتبين لنا أن الأرض تدور باتجاه عقارب الساعة حول نفسها بينما يدور القمر حولها بعكس عقارب الساعة، لذلك نرى أن القمر يتزايد من اليمين لليسار بينما يتناقص من اليمين، بعد الليالي البيض.

الشكل الثاني، يعكس مراحل القمر في هذا الشهر الذي صادف أيام العيد، ونلاحظ أن المحاق صادف يوم الأربعاء، أي استحالة رؤيته، بينما كان بالإمكان رؤيته يوم الخميس ليفطر الناس يوم الجمعة. بالنظر لمثل هذه التوضيحات علينا الانتباه لموقع المشاهد من الأرض وهل يقع هذا الأمر في الصيف أم الشتاء وهل المشاهد شمال أو جنوب خط الإستواء. الجزيرة العربية ليست بعيدة جدا عن خط الإستواء ليختلف الأمر كثيرا عليها.

مقال صوموا لرؤيته

الشكل الثالث، والذي يُقْرَأُ من اليسار لليمين، عبارة عن تصوير تقريبي للمراحل الحرجة لتشكل الهلال حيث تبدأ ولادة الهلال يوم الأربعاء بنسبة إضاءة 2%، والذي يصعب رؤيته بالعين المجردة، ثم يصل لـ 5% في يوم الخميس ليتمكن الناس من رؤيته بصورة أسهل جدا.
مقال صوموا لرؤيته

الشكل الرابع عبارة عن جدول زمني من مرحلة الصفر إلى المرحلة السادسة عشر وبجانبه رسمان بيانيان يخطان نسبة سطوع الهلال. الأول يبين المراحل السبعة عشر بينما يفصّل الثاني منهم المراحل الحرجة للهلال، ويبدو واضحا صعوبة رؤية الهلال بالعين المجردة إذا ما قل عن نسبة 3%.

مقال صوموا لرؤيته

 

مقال صوموا لرؤيته

قال أحد الإخوة الأعزاء: «إش فيها لما يختلف العيد عند الناس؟ »، ونحن نقول فيها أشياء. أولا، علينا الرجوع إلى الرسول ﷺ في هذا القول بكلمته المشهورة: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته». نحن جميعا نعلم أن رسالته هي الخاتمة وقد بعثه الله رحمة للعالمين، كما أننا ندّعي أن حفيده الإمام المهدي «عج» سيحكم الأرض ولابد له أن يجد حلولا مناسبة لمثل هذه الأمور ولا يمكن للعيد أن يكون يومين إلا بفارق التوقيت فقط.

ما سر التركيز على الرؤية يا ترى؟ الرؤية تُحتّم أن يكون الهلال قد تعدّى مرحلة المحاق لجميع الزوايا في الكرة الأرضية، مما يعني أنه قمر جديد للجميع دون استثناء وإن لم يُرَ في مناطق أخرى. وعلميا، هذا يعني أنه لا يمكن لأهل الشرق، في الجزيرة العربية مثلا، أن يفطروا على بداية ولادة القمر في أمريكا اللاتينية. مسألة وحدة الأفق تتحق فقط مع الرؤية وليس مع الحسابات. إذا افطر أهل المشرق لولادة القمر في المغرب فهو حساب خاطىء، ولكن إذا أفطر أهل المشرق لرؤية الهلال في المغرب فهنا تتحتم ولادة الهلال في الشرق وإن لم ير بالعين المجردة، وهذا ما أفتى به بعض مراجعنا حفظهم الله. طبعا، هناك دهاليز حسابية وعلمية لا نريد الخوض فيها، ولكن مع الرؤية يتحقق العيد لجميع سكان أهل الأرض بينما مع الحسابات يكون قد حصل إشكال لأناس دون آخرين مع اختلاف الآفاق. الإسلام أتى ليوحد الصفوف لا يشق عصاها ولابد من وجود حل يرضي جميع الأطراف ولا يخلّ بالصيام.

في العموم، كل هذه الأمور لا تستدعي الخلاف المرير والبغيض والساقط والتطرف ضد الآخر، نعم هناك حل علمي وعملي تتحقق معه الوحدة العالمية، وهو الرؤية المجردة، ولكن يجب علينا ألا نبخس حقوق من آمن بالحسابات وعمل بها وكلٌّ يعمل على ما كُلِّف به، وكفى الله المؤمنين شر القتال.

عيد سعيد لجميع المسلمين على هذه البسيطة لأي يوم اختاروا أن يكون عيدا لهم، وكلنا أمل أن نزيد من جرعات الوعي لدى الجمهور وتبقى هذه مسؤولية رجال الدين الذين يجب عليهم توحيد صفوف الأمة لا شقّ عصاها.

سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.