آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 7:48 م

الاختلاط في بيئة العمل

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

الاختلاط في بيئة العمل يعد من المصطلحات الذي عفى عليها الزمن وتجاوزها الواقع. فالمصطلح يحمل في طياته مفهوم التجريم لشبهة وقوع المحذور بين الجنسين. وهو مازال يشكل هاجسا في بيئة العمل لوصولنا متأخرين ومتلكئين الى محطة بيئة العمل المشترك والذي سوف اطلق عليه المنفتح. 

ان تجاوز هذا المصطلح هو نتاج حراك فكري وثقافي طويل أنجب بروز فرع في علم الاجتماع هو علم النوع الاجتماعي أو علم الجنوسة «Gender» الذي فصل بين مفهوم الجنس سواء في مفهوم الذكورة والانوثة او في مفهوم الفعاليات الطبيعية للذكر أو الانثى والجنوسة التي تعني «مكانة الرجل والمرأة في المجتمع بغض النظر حول الفروقات البيولوجية بينهما. 

المرأة والرجل ينبغي النظر إليهما من منطلق كونهما انسانا بغض النظر عن جنس كل منهما». ان الحركة الطبيعية للمجتمع الانساني

هي توزيع الادوار والمهام لتحقيق الاداء المشترك بين الرجل والمرأة، فالحركة الطبيعية للمجتمع ان يكون للمرأة فعل واداء ودور وهكذا للرجل. فالعمل المتقن المبدع في اغلب احواله يستلزم اشتراك هذين البعدين الطبيعيين «الرجل والمرأة» اللذين زودهما الخالق بآلات يمكن كل طرف الكشف عن زوايا من الحياة ليكمل الاخر. وهكذا في بناء الحركة المدنية للمجتمع، فوجود بيئة العمل المنفتح ضروري وملح لتكامل العقل الاجتماعي. 

ولعل الاستغراب في اشده من الدعاوى المناهضة لهذا الانفتاح في بيئة العمل بدعوى ما يترتب عليه من النزر اليسير من الاثار السلبية مقابل المصالح الجمة. وقد يحتج المرء بأمثلة مثل ان قيادة السيارة مضرة لانها تؤدي الى الحوادث التي تزهق الارواح أو اعاقات. فهل ندع هذه الالة لان البعض يوظفها بشكل غير مسؤول. 

ان في العلاقات الطبيعية للمجتمع لابد ان تنتج على هامشها افرازات غير طبيعية من عقول قاصرة أو نفوس صغيرة. 

ان النمو الطبيعي للعقل الانساني وارتقاء روحه وتنقية وجدانه لا ينتج في بيئة العزل المطلق كما بالطبع الانفتاح المطلق لا ينتج الا قطعانا من الحيوانات. وبما ان المرابطة الفكرية في المجتمع في خلق العلاقات المدنية الطبيعية والمنتجة لا تستقيم الا في البيئة المنفتحة من توزيع الادوار التي تضمن ارتقاء روح العقل الاجتماعي. 

ان بيئة العمل المنفتحة التي هي بالتأكيد بعيدة عن معنى «الاختلاط» السلبي لا يمكن ان تتأسس على عقلية التوجس والريبة أي عقلية الوصاية التي تتجذر فيها روح التجريم والاتهام. 

ان معطيات بيئة العمل المنفتحة في كثير من حقول العمل التي نراها اليوم تنبئ بحركة جادة وحثيثة في الابتعاد عن عقلية التجريم والوساوس لبيئة تنطلق على أساس البراءة والطهارة والقدرة العالية لشخصية المرأة والرجل المحصنة بالتعليم والتربية الاخلاقية المتزنة. 

ان الواقع اثبت بلا ريب ان التعليمات والقوانين الضابطة لبيئة العمل المنفتحة تتأسس على وجود الضمانات الفكرية والعقلية للعاملين قبل أن تحصن هذه البيئة بالرقابة الصارمة. 

ان المجتمع الطبيعي هو المجتمع الذي يوظف كافة طاقاته في اداء متناغم ومتداخل دون الإضرار بها هدرا في أمور او انشغالات جانبية. وكل ذلك مرهون بمغادرة مصطلح الاختلاط بمعطياته الفكرية القائمة على الجنس والتركيز على حركة المجتمع المدني التي ينظمها علم الجنوسة الذي قوامه «احترام حقوق الانسان وتساوي الفرص في ظل المواطنة».