آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 7:48 م

النخلة في سلوك الاحسائي التمدني

الدكتور أحمد محمد اللويمي * صحيفة اليوم

بعيدا عن وردية الشاعر وسريالية التشكيليين، النخلة شجرة اقتصادية يخضع انتاجها كأي سلعة للعرض والطلب. 

الاحساء تستمد عنوانها من النخلة حيث مثلت النخلة قبل القفزة الاقتصادية التي تعيشها المملكة ثروة لمالكها ومع التحولات الاجتماعية الاقتصادية وظهور موارد أكثر من عطاء النخلة أصبحت بعد الشعور بالثراء والاعتزاز عبئا ناهيك عن انقلاب حال الاسر التي كانت من أهل الثروة بالنخلة الى فقراء بالرغم من ملاكها. 

ان تحول الاحساء في التطور المدني والنمو السكاني المضطرد يفرز سلوكا متناقضا في الطبقة الاعرض من المجتمع ليصبح سمة طاغية في سلوك الاحسائي. فمن جهة يتطلع الاحسائي لحاضرة فيها التمدن في سعة طرقها ومخططات تلبي احتياجاتها السكنية المتزايدة ومن جهة اخرى يرى في ذلك الطموح زحفا متواصلا على النخلة. واصبح الاحسائي كبائع الوهم فحديثه يعظم النخلة ويكبرها وفعله يجتث كل ما له من عوامل البقاء لها. 

ويرجع هذا التحول في سلوك الاحسائي التمدني الى عوامل عدة ترجع بالدرجة الاساس إلى تراكم ثقافة الاستهلاك وتعاظم عقلية «الأنا» المصحوبة مع الحركة التمدنية. فالاحسائي الذي كانت النخلة تمثل المورد الاساس له أصبح الأغلب الأعم منه مجتمعا ريعيا مورده الاساس الراتب الذي يتقاضاه وما يتمتع به هذا المورد من ضمان وراحة بال عن هم طلب العيش. 

والجانب الأهم من كل ذلك فالمورد المالي الشهري الواعد والمضمون أدى لنمو متضاعف لسلوك الاحسائي التمدني الاستهلاكي - ولم لا يكون ذلك - فهو يطمح أن يقتني سيارة فارهة وان تكون حاضرته متميزة بوسائل الترفيه والسياحة وفيها من فرص اقتناء السكن. 

وبين هذا النمو المضطرد في الاحتياجات التمدنية المستجدة في حياة الاحسائي وفي ظل مشهد تناقص دور النخلة الاقتصادي يرتسم الموقف الراهن للاحسائيين من أمهم وعنوان هويتهم. فلا تتسع واحة الاحساء لطموح التمدن وتلبية احتياجات الأنا المتزايدة والابقاء على بيئة تحتضن النخلة. 

وهكذا مع الزحف المتزايد للسلوك الاحسائي التمدني الاستهلاكي لا سيما في هذه الاعوام التي اجتذبت استثمارات كبيرة للاحساء يتقلص دور النخلة الاقتصادي ليصبح جزءا متواضعا من ذلك المشهد الهائل في الاهتمام بالوجه السياحي للاحساء. فالنخلة اليوم منظر مهم للاستراحات التي أصبحت بديلا لمزارع التمور لتضفي على الطرق السياحية الزراعية في الاحساء منظرا جماليا فحسب. 

ومع توسع هذا السلوك التمدني الذي في طياته يخلق تزاحما شديدا لبيئة النخلة فالاستهلاك للمياه للاحتياجات السكنية يتضاعف وانتاج مياه المجاري يأتي تبعا لذلك ومع نمو السكان تصبح ارض النخلة ضحية رخيصة الثمن لارض سكنية تعادل عشرات الاضعاف لقيمتها. 

اذا ما اضفنا لذلك حجم ما ينتجه المجتمع التمدني الاستهلاكي من قمامة سامة وخطرة على بقاء النخلة ووجودها. فالاحسائي اذا ما استمر في سلوكه المزاحم للنخلة فهو لا ريب سينتهي الى بيئة كانت النخلة تعيش فيها كالقطيف. 

واذا ما يريد استعادة ما تبقى من وجودها عندئذ هل يضحي بالطرق الفارهة بطرق زراعية؟ وهل يحسن من سلوكه الاستهلاكي كي لا يتقاسم مع النخلة ماءها؟ وهل يطور وعيه لدرجة تصبح السياحة في الاحساء رمزا لحفظ بيئة النخلة لا زحفا على وجودها وبقائها؟