آخر تحديث: 27 / 9 / 2020م - 5:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

الطيبة الزائدة في زمن الخذلان

ياسين آل خليل

البعض يقول «أنك لا تحتاج أن تكون مقبولاً من قبل الآخرين، ما تحتاجه هو أن تقبل نفسك» بعض الطيبين من الناس يفرضون احترام وتقدير الناس لهم بينما البعض الآخر من نفس الشريحة يتم استخدامهم والإساءة إليهم. فكيف يتمكن هؤلاء من استلهام التغيير في ذواتهم حتى لا يتم استغلالهم من قبل الآخرين، وكيف لهم أن يبتكروا بعض العادات التي تعيد لهم هيبتهم ومكانتهم بين أفراد مجتمعهم وأهليهم.

إذا كنت من ضمن تلك الشريحة، فهل تجد من الصعوبة أن تقول لأي أحد كلمة «لا» كرد على طلب ما، حتى وإن كان ذلك الطلب غير معقول؟ هل تعتقد أنه يتم ابتزازك في العمل أو في علاقاتك الشخصية؟ هل يتم إسناد بعض الأعمال إليك وخاصة تلك الأعمال التي لا يرغب الآخرون في تأديتها؟ هل تصطف وتذهب مع ما يقوله الآخرون حتى وإن كان داخلك يشعر بالإختلاف؟ هل طيبتك وعطاؤك الذاتي غالباً ما يذهب مهب الريح دون أدنى تقدير؟ هل ينتابك الخوف من التعرض للرفض لو لم تتماشى مع أهواء بعض الناس ومطالبهم؟ على سلّم الرعاية والإهتمام، هل تضع الآخرين أولاً وأنت أخيراً؟

إذا كانت أجوبتك على أي من هذه الأسئلة ب «نعم» فأنت دون أدنى شك طيب جداً و«حتى النخاع». قبل أن أسترسل في مقالتي هذه دعني أطمئنك أنه لا يوجد خطأ ما في كونك لطيفا وطيب القلب. على العكس تماماً فالعالم سيكون حاله أفضل مع المزيد من الناس أمثالك ممن يمتلكون قلوبا بيضاء تحمل من اللطف والطيبة الكثير الكثير. في نفس الوقت، من الأهمية بمكان أن تعود طيبتك عليك بصحة في النفس والبدن وأن تمسك العصا من منتصفها حتى لا يخذلك أحد فتقعد لائما لنفسك على أنها لم تتعظ على كثرة لدغها من الجحر نفسه.

هناك بعض المفاتيح التي يجب أن تكون في حوزتك وأن تكون تلك المفاتيح حاضرة ومعدة للإستخدام عند حاجتك إليها:

المفتاح الأول هو معرفتك بحقوقك كفرد من خلال تحديد أولوياتك الخاصة بك وأن لا ينتابك الشعور بالذنب لمجرد قولك «لا»، وحماية نفسك من الأذى باختيار تلك العلاقات الصحية التي تعود عليك بالسعادة في الحياة. إن من الحكمة أن تراعي نفسك أولاً وأن تكون لديك القدرة على اتخاذ القرار الجيد، وأنه لا يمكن لأحد أن يسلب منك ذلك الحق بالقوة إلا إذا كنت تسمح له بذلك.

المفتاح الثاني هو عدم محاولة إرضاء الكل لأن «رضا الناس غاية لا تدرك». لا أحد يستطيع أن يرضي الجميع في كل وقت. هناك العديد من الطرق التي يمكن أن تقول فيها «لا» لكن بطريقة دبلوماسية تضعك في موقع القوة التي تسمح لك بتحديد أولوياتك وكسب احترام وتقدير الآخرين.

المفتاح الثالث والأخير هو قانون العرض والطلب. قانون تعلمناه في مبادئ الإقتصاد يقول أنه كلما أتيح الشيء بوفرة كلما قلت قيمته. نفس القاعدة الإقتصادية تنطبق على العلاقات الإنسانية. هناك الكثير من البشر ناكري الجميل الذين كلما ازداد عطاؤك لهم كلما قلَ تقديرهم لك. كيف لك أن تحصل على التقدير إذا كان عطاؤك لا ينضب والأخذ منك سهل المنال ولأشخاص فقدوا ماء الوجه حتى عادوا لا يفرقون بين المحب والمبغض والكريم والبخيل.

لا يوجد على الإطلاق خطأ في كونك كريماً وعطوفاً على الآخرين، أو أن يكون لديك قلباً كبيراً. فالرحمة تجعل من العالم مكاناً أفضل مقبولا للعيش والتعايش وقابلاً للإستمرارية؛ إلا أنه من الحكمة أن يعرف الشخص حدوده فيتعرف على ذاته ويحترمها. أما عن تجاربنا الغير ناجحة مع أفراد قابلوا الطيبة بالهجران والتقرب والعطاء بالخذلان فهذا لا يدعونا أن نبدل مسار قلوبنا قسراً لتتخذ منحاً مغايراً يعارض فطرتها الإنسانية الحسنة التي تربت عليها، بل يدفعنا ذلك للحذر من أن تنجرف علاقاتنا المستقبلية مرة أخرى إلى حيث ما لا نريد وما لا يحمد عقباه. في الختام «إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ».