آخر تحديث: 18 / 1 / 2022م - 1:02 ص

عدو أطفالنا.. في أياديهم!

الدكتور ياسر الناصر *

في الماضي الغابر كان العديدون منا لا يملكون من ”الوسائط المتعددة“ سوى تلفزيون واحد ذو شاشة محدبة، في أفضل حالات الطقس يلتقط قناتين او ثلاث من القنوات الأرضية، أذكر انا شخصياً ان ”أنتن «جهاز الالتقاط الهوائي فوق السطوح»“ بيت عمي أفضل بكثير منا وكنت أذهب هناك في اوقات محددة تعرض فيها المسلسلات الكرتونية للأطفال لمدة ساعة او ساعتين يومياً، وباقي الوقت كنا نقضيه في اللعب خارج المنزل، ألعاب اندثرت في وقتنا الحالي كلعبة ”الطير“ و”قب قلين“، أو ركوب ”سياكلنا“ والدوران في البلد، وطبعاً لا أنسى اللعبة المفضلة عند الجميع، كرة القدم!

خلال الـ 25 سنة الماضية، تسارعت وتيرة التغيير الاجتماعي مواكبة التغيير الاقتصادي ونمو المستوى التعليمي للمجتمع بشكل عام، وهو ما خلق بوناً شاسعاً بين ما عشناه نحن في طفولتنا وما يعيشه أطفالنا في الوقت الحالي. من أهم هذه التغييرات هو الوقت الذي يقضيه الطفل في وقتنا الحالي أمام الشاشة، وهو ما يُسمى علمياً ب ”وقت الشاشة أو Screen Time“. هذا الوقت يُعَّرف بالوقت الذي يقضيه الطفل يومياً أمام أي نوع من الشاشات، سواء التلفزيون، الأيباد، ألعاب الفيديو أو الهواتف الذكية.

في العالم الغربي كأمريكا مثلاً يُقدر الوقت الذي يقضيه المراهقين امام الشاشات ب 7 ساعات يومياً، والأطفال الأصغر 5 - 6 ساعات يومياً. لاتوجد للأسف احصائيات دقيقة لدينا عن مقدار هذا الوقت في بلدنا، لكن اي أحد يقرأ مقالي هذا يدرك ان حجم هذه المشكلة كبيرة بمجرد التفكير بالوقت الذي يقضيه من حوله من الأطفال أمام الشاشات، وهو «لأسباب عديدة»، يفوق بشكل كبير ما هو معروف في العالم الغربي.

”وقت الشاشة“ الطويل له أثار سلبية متعددة تم اثباتها بالدراسات العلمية. وجدت الدراسات أن الأطفال الذين يقضون وقتاً أطول أمام الشاشة يكون عرضة لمخاطر صحية عديدة. للتمثيل فقط وليس الحصر: هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للسمنة، عادات الأكل السيئة والاكل غير الصحي، ضعف المهارات الاجتماعية، الاضطرابات السلوكية والاحباط السريع، اضطرابات النوم، انخفاض الأداء الدراسي والذكاء العام.

لهذه الأسباب وضعت المنظمات العالمية المعنية بصحة الطفل ضوابطاً ل ”وقت الشاشة“ المسموح للأطفال. الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال AAP تنصح بعدم تعريض الطفل تحت سن السنتين لأي نوع من الشاشات، وما فوق السنتين تنصح أن يكون الوقت ساعتين يومياً على الأكثر. طبعاً قد تكون هذه التوصيات صادمة للعديد من القراء حينما يفكر في الوقت الذي يقضيه طفله أمام الأيباد مثلاً وهو ما يدل على ضخامة المشكلة في مجتمعنا. حتى أنا شخصياً اعاني من هذه المشكلة مع أطفالي وأدرك صعوبة حلها ولكن ذلك لا يمنعنا من المحاولة هنا!

سنستعرض في التالي بعض الاستراتيجيات التي قد تساعد في الحد من المشكلة وتدريجياً حلها «مع الصبر طبعاً!»:

  1. كن القدوة لأطفالك: الكثير منا يدرك اننا اصبحنا أكثر ادمانناً على الهواتف الذكية احيانا أسوأ من أطفالنا! يجب أن ندرك أن الاطفال يقتبسون الكثير من تصرفاتهم من خلال ما يرونه منا. بداية الحل تكون منا نحن الوالدين والبالغين. قم بمراقبة الوقت الذي تقضيه مع تلفونك وحاول وضع حدود لذلك.. مثلاً عند دخولك المنزل خصص مكانا بعيداً للهاتف لا يكون في متناول اليد وحاول استغلال هذا الوقت في قراءة كتاب مثلاً او المحادثة مع العائلة عن يومهم.. طبعاً ليس أمام شاشة أخرى كالتلفزيون!
  2. اخلق فهماً للمشكلة عند أطفالك: سنفاجأ بحجم الفهم الذي يملكه الاطفال عندما نشرح لهم لماذا لا نريدهم ان يقضوا وقتاً طويلاً امام الشاشة.. خلق هذا الجو من التفاهم واشراك الطفل في القرار يسهل تنفيذه كثيرا، بدلاً من وضع القوانين مباشرة بدون ”التفاوض“ مع الطفل. طبعا يجب ان نستخدم لغة سهلة واسلوباً ايجابياً حسب عمر الطفل، مثلاً: انا اريدك ان تلعب بشكل أقل بأيبادك حتى يتسنى لي أن ألعب معك لأني أحب ذلك!
  3. تفاهم الوالدين واتفاقهم: هذه نقطة مهمة جداً ويجب الجلوس بهدوء والوصول الى خطة مشتركة وتفاهم بين الوالدين للحد من هذه المشكلة وسيكون صعباً جداً حلها اذا لم توجد ارضية مشتركة
  4. منع الشاشات خلال ”وقت العائلة“: مثال ذلك هو منع الشاشة حينما يجتمع الكل للأكل على سفرة واحدة أو عندما تخرج العائلة لنشاط خارج البيت
  5. منع الشاشات في غرف النوم: من الخطأ الكبير السماح لأي نوع من الشاشات داخل غرف النوم كالتلفزيون والأيباد. لا تسمحوا بذلك أبداً.
  6. توفير البدائل: وهو يكون بشكل فعلي وعملي. يتكيف الأطفال بسرعة مدهشة للبعد عن الشاشة في حال وجود بديل حتى لو كان بسيطاً امامهم. حاول التعرف على ما يحبه الطفل من العاب اخرى كمجسمات الأبطال الكرتونية مثلاً، دراجة او دمى البنات وقم بتوفيرها. ادعو اطفال الاقارب للعب عندكم ”بدون أيباد“ وخذ اطفالك لهم.
  7. خصص جزءاً من وقتك لهم: حدد 20 - 25 دقيقة يومياً تكون مخصصة للعب من أطفالك بعيداً عن الشاشات أو الملهيات وتكون غنية بالتواصل والتحدث أو الحركة النشيطة
  8. لا تعرض الطفل تحت سن السنتين لأي نوع من الشاشات واحرص ان لا يكون الأيباد وسيلة لإسكات الطفل الباكي!
  9. قم بتقليل التطبيقات والالعاب في الايباد قدر الامكان وذلك باستشارة الطفل. احذف التطبيقات التي يصعب مراقبتها كاليوتيوب العادي والألعاب العنيفة. حاول ان يكون هناك وجود لتطبيقات ”تعليمية“ قدر الامكان ولكن لا تعتبر هذه التطبيقات مبررا لقضاء الطفل وقتاً أطول على الأيباد.
  10. حاول التحدث دائماً عن المشكلة مع افراد العائلة الكبيرة في بيت الجد واستحداث قوانين تحد من تأثير وجود الاطفال بعيدا عنك واستخدامهم للشاشة. قد يكون هذا صعباً جدا مع وجود غيرهم من الاطفال، لكن حتى الخطوات الصغيرة ستكون جيدة
  11. استخدم اسلوب المكافأة وابتعد عن العقاب: يستجيب الاطفال جيدا لأسلوب الجائزة.. مثلا قم بعمل جدول يومي وضع نجمة للطفل عندما يقوم بعمل ايجابي لمكافحة الشاشة، مثلا: عدم استخدام الايباد خلال اليوم، اللعب بالدمى لمدة معينة، قراءة قصة او المساعدة في المنزل.. احرص ان يكون هناك جائزة ولو بسيطة عند وصول الطفل لما تحدده من نجوم.
  12. ضع قوانين محددة داخل المنزل واحرص ان تكون ثابتة ولا تتغير: مثلاً منع الايباد نهائياً بعد الساعة السابعة مساءً او منع الايباد في في ايام محددة في الاسبوع. حدد أياماً ”خالية“ من الأيباد وقم بإخفاء الأيباد قبل جلوس الطفل من النوم
  13. لا تقم بتوفير الهواتف الذكية للاطفال: حالياً نرى العديدين يمنحون الاطفال هواتفاً ذكية في سن صغيرة وهو أمر مؤسف.. الطفل لا يحتاج هذا الجهاز ولن تكون هناك حاجة فعلية الا في سن المراهقة وحتى هذه لن ألوم من يصر على عدم توفيره لهم في هذا السن! لم احصل على هاتف شخصياً حتى دخلت الجامعة وفي السنة الثانية ولم يحدث لي شيء!!
  14. استخدم التكنولوجيا: هناك العديد من الطبيقات في متجر أبل تقوم باقفال الايباد تلقائياً بعد مدة تحددها أنت، فقط اكتب في جوجل App limiting screen time وسترى العديد منها!

ينقل ان ستيف جوبز «مؤسس أبل» الراحل لم يكن يسمح لأطفاله باستخدام الأيباد وهو أمر صرح به دون تردد للصحافة. نحمل كبالغين مسؤلية اخلاقية تجاه صحة أطفالنا ونحن مسؤولون عن توجيههم خصوصاً انهم لا يدركون العديد من المخاطر حولهم.. فكما تحرص ألا تجرح السكين يد طفلك، أحرص ألا يجرح الأيباد كامل صحته!

استشاري اطفال

Instagram: dryassern
Snap: naseryas