آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:16 م

السلام على صاحب المُصيبة الراتبة

ليلى الزاهر *

مثلما تسبق الزهرة الثمرة يسبق الإيمان العمل الصالح، وعندما يرتبط القلب المؤمن بالله تعالى ارتباطا قويّا تتجذر علاقة المؤمن بربه بثبات لانظير له؛ لأن إيمانه منبثق من قوة حقيقية بعيدة كل البعد عن الاحتمالات. لذلك كان الإيمان الذي يجول بأرض كربلاء يهزأ بالسيوف والرماح، ويرى الكثرة والعتاد سراب سرعان ماتختفي عند الاقتراب من جنة الحسين .

انبثقت قوة المعسكر الحسيني من قوة الإيمان الذي يقف حائلا ضد حب الظواهر الدنيوية لذلك فإنّ البعض من الباحثين في السيرة العاشورائية نفوا الكثير من الأحداث الواقعة في الطفوف لأنها تنافي سيرة الحسين وأهل بيته الذين تيقنوا من شهادتهم لوجود الدلائل التي تُشير على ذلك.

إن الإيمان الذي سيّر الحسين مع أطفاله وأهل بيته إيمانًا نادرا لايكاد يظهر إلا من الأولياء والأئمة، وعلى الرغم من تلك المحاولات التي حالت دون ذهابه لكربلاء إلا أنه أراد أن يمضي في طريقه وحسم الأمر قائلا:

«ليس يُخفى عليّ الرأي ولكن لايُغلب على أمر الله وإنهم لايدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي»

أما في معركته ضدهم فقد كان صبورا، حكيما، الإيمان محرابه، والتضحية عبادته ولم يكن إيمانه وسيلة لطاعته لله تعالى بل هو الطاعة ذاتها.

فإذا قلّبت صفحات البلاء والمصائب التي شهدها الحسين يوم عاشوراء ستصبح الدموع أمرا يسيرا عندك لأنك سوف ترى مشاهد مؤلمة لايتحملها الإنسان إلا أن إيمان الحسين كان قوته في تحمل تلك المصائب المتتابعة.

سيوفهم الحاقدة تذبح أولاده فيسقطون واحدا تلو الآخر، إخوته رحلوا أمام عينيه، ومن روى واقعة الطف وكان شاهدا على الأحداث هناك لاحظ كيف تحوّل شعر الحسين إلى قطعة بيضاء وشابت معه رموشه، وأصبح كالليث الأبيض شامخا تذروه رياح الألم.

وكيف غدت السيدة زينب سلام الله عليها امرأة مختلفة رسمت عليها كربلاء خطوط العناء فغدت امرأة مجهولة لم يعرفها حتى زوجها.

وكلما زاد مصابهم زاد إيمانهم بالله تعالى وعلت مراتبه في قلوبهم وأصبح التسليم بالقضاء والقدر أمر مُحبب عندهم

لذلك كان الحسين يردد:

«هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»

وكان سلامنا على الحسين في زيارتنا:

السلام على صاحب المُصيبة الراتبة.

إنّ الإيمان هو العين التي يرى فيها الإنسان تجليات عظمة الله تعالى فلاتساوره الشكوك والاحتمالات وإلا كان مثل من يعبد ربه على حرْف، قال الله تعالى:

﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى‏ حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى‏ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ «سورة الحج / 11»

فمن خسر إيمانه سوف تُسيره الظنون بالله تعالى، ويذبّ الخوف في قلبه حتى يبدو منتفضا لاهتزاز أوراق الشجر ويشعر بجوع روحه. في حين يُرى صاحب الإيمان قويّا لأن الإيمان يغذيه وينصب له مائدة وسط الصحراء القاحلة.