آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 8:37 ص

عشقنا الحسين ولم نره!

ليلى الزاهر *

ملك الإمام الحسين رصيدا كبيرا من الحبّ والإجلال في قلوب المسلمين جميعا. فقد فاز من عاش في زمن تولّى المعصوم فيه قيادة الأمة فلا يمكن افتراض إلا الصواب والرأي المُحنك؛ لأن القائد المسؤول عن قيادة المجتمع وتطبيق الرسالة السماوية إمام معصوم متفاعل مع النظريات الإسلامية قولا وعملا، وهذا مما جعلنا نشعر بفوت الفرصة الكبيرة عندما نقول:

«يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيمًا»

أما في عصرنا فقد ملكنا زمام حبّ الرسول ﷺ ولم نرهم فأصبح لنا خيالا يُجيد التّصوّر لمحمد وآله فعشقنا الحسين وتصورنا وجوده بيننا، وهامت الأرواح في حبه

لذلك مهما حاولتُ أن أُطوع حروفي اللغوية وكلماتي العاشقة فلن تسعفني في وصف مشاعري تجاه القضية الحسينية، لأنني أشعر بالصفاء النفسي في محراب الحسين، وأرى مجالس الحسين وسيلة لتنقيتي من شوائب الذنوب والعودة بصفحتي إلى بياضها الناصع كما ولدتني أمي.

الحسين بن علي هو ذلك الجمال الصارخ في وجوه ناصريه وأحبابه، درجنا على حبّه منذ كنا صغارا وارتشفنا معين عشقه وبركات عطائه.

إنّ الجمال لايحتاج إلى مدح أو تزكية وكما يقول أرسطو:

‏ «الجمال أحسن رسائل التوصية»

لذلك كنا نرسم تفاصيل جمال الحسين مبتدئين بجمال علاقته بالرسول ﷺ انتهاءً بالثلة المؤمنة التي لحقت بركب الحسين .

كان جمال الحسين يُبكي الرسول مرارا مما جعل الناس يتساءلون عن سر هذا البكاء فما كان منه ﷺ إلا أن حمل على عاتقه تبليغ طرفا يسيرا من ملامح شهادته ومُصابه.

ثم أخذ طريق البكاء على الحسين وجهة أخرى بعد استشهاده فكان الأئمة ينصبون مجالس العزاء ويقيمون منصّات شعريّة تُخلد ذكر الحسين.

‏وقد أخذ رثاء الحسين طابعا رسميا في بعض الدول، حتى أصبح يوم عاشوراء إجازة رسمية فيها.

إنّ جوهر ماقام به الحسين باعث قوي لإثارة ألف سؤال عصف بعقولنا ونحن صغار، فلم نكتفِ باليسير، ونحمد المولى على طيب المولد فحسب، لم يقتصر الأمر على حضورنا المآتم الحسينية مع أمهاتنا وشُرب كؤوس الحزن على مصرعه، بل امتدّ جمال الحسين وجلاله في قلوبنا لارتشاف المزيد من فيوضاته المباركة في كل مجلس يطرح الحسين كقضية، وفي كل كتاب يناقش أبعاد إيمانه القوي برسالته السامية.

ولازلتُ أتذكر مجالس العزاء التي رسمتُ من خلالها صورة الفرس التي عسْكرت في كربلاء

وأخذت تناوش مثيلاتها في المعسكر الآخر، وكنتُ أقرأ مع المعزين رسالة الاعتذار التي خطّها العباس للأطفال لأنه لم ينجح في إيصال الماء لهم.

كنت في بداية المرحلة المتوسطة أُسْرٍع لحجز مقعد في مجلس العزاء لأستمع

لفضيلة الشيخ حسن الخويلدي خطيب وإمام جامع الكوثر بصفوى، إذ شكّل حديثه العاشورائي جزءًا من ثقافتي الحسينية

وما أكثر ارتواء ظمأ العطاشى من معينه العذب!

ومازلتُ أتذكر آنذاك حلما كان يراودني باستمرار وهو رؤية الشعائر الحسينية على شاشة التلفاز، ومضت السنون ولم نُحرم من عطاء الحسين وجماله فهو الرحمة المهداة لنا وعنوان الفخر في حياتنا.

فنحن فخورون بما قدّم الحسين وآله وأصحابه من أخلاق إسلامية تطاولت في العلو وبدت أكثر شموخًا في فكرنا يوما بعد آخر؛ لأنهم لم يقدموا تلك الأخلاق بألسنتهم كما يفعل الكثير وإنّما كتبوها بدمائهم وحياتهم.

ومضت السنون ومع تطوّر تقنيات البث الفضائي تحقق حلمي، ووصل صوت زينب من الشام ليصل إلى الملايين من الناس عبر الفضائيات التي نعت ذكر أخيها الحسين وأُنتجت أضخم سلسلات الانتصار التي سجلت وقائع كربلاء كما نسجها رواتها ومؤرخوها.

وتحلقّنا حول تلك الشاشة الصغيرة نرى نماذج يصْعب رؤيتها عيانا في حياتنا. الحسين الزعيم الروحي لأهله وأحبابه وأصحاب الحسين الذين رافقوه في رحلته المصيرية ثلّةٌ من الأوفياء، قد خُيروا بين الانسحاب من كربلاء إلى متسع عظيم من طيبات الحياة ولكنهم عزموا أن يقضوا حتفهم مع الحسين.

إنّ هذا اللون الأخلاقي جعلهم يرون الجمال الحقيقي للحسين فكانت لهم رؤيتهم الخاصة في الحياة بجوار أبي عبدالله في حياته ووقت استشهاده.

ومهما بلغ بنا الزمن وطوى العمر أيامه وسنواته سيتجدد ذكر الحسين ويصبح له رواة ترويه بطريقتها الخاصة وبما يتناسب مع زمنها، ولعلنا نطمع في منبرنا الحسيني في الخروج عن الروايات التقليدية وبث الرواية العاشورائية صافية تخلو من شوائب بعض المبالغات التي لحقتها، تخاطب العقل بما يعقل.

ولعل زمن كورونا سابق الشمس في نشر الثقافة الحسينية فتطور بث الفضائيات وعلت الأصوات مما جعل الفرصة مواتية أكثر لنشر المبادئ الحسينية على أصولها الصحيحة فتصل لأسماع الملايين مبرأة من بعض المغالطات تخاطب العقل والوجدان.

إننا في زمن يُذكر فيه الحسين في كلِّ وقت وفي كلِّ حين، نُطيل المكوث وننصت جيدا لصوت السيدة زينب حينما أقسمتْ على أن ذكر الحسين لن ينطفئ مادام في الأرض حياة فقالت:

«فكِدْ كيدَك، واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جهدك، فوَاللهِ لا تمحو ذِكْرَنا، ولا تُميت وحيَنا، ولا تُدرِكُ أمَدَنا، ولا تَرحضُ عنك عارها..»