آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:41 م

حياة القلوب

سوزان آل حمود *

هل تعرف ضميرك؟ هل سبق وأن جلست معه على طاولة حوار، وطال النقاش بينكما؟ ربما صارحك مرة بأخطائك وهفواتك، عدها عليك خطأً خطأً، بينما أنت لم تنفك عن محاولة إقناعه بجدوى ما تفعل، أو التبرير له ببعض المبررات الباردة، أو حتى محاولة خداعه ببعض الكلمات الملويّة أعناقها مسبقًا.

جميل جدًا! المهم أن لا تغلق الباب في وجهه وهو يتحدث. أن لا تصادر آراءه هذا الكلام قلته مرة لصديقتي التي تنازلت عن كثير من مبادئها، وتعللت بفساد مجتمعها، قلت لها: لا أطلب منك أن تتغيري، فقد يبدو الإنتقال من حالة إلى حالة نقيضة صعب جدًا على النفس من أول وهلة، ولكن كل ما أتمناه منك أن يبقى إحساسك بالذنب، أن ترهفي سمعك لصوت ضميرك وهو يقول لك ”هذا فعل محرم“. وأمر ثالث مهم: أن تبقيْ ممتنة له. تجاهك في كل مرة.

أعلم بأن هذا الأمر مزعج جدًا، وقاسٍ أيضًا لفتاة مثلك لم تعتد التضييق من أحد، ولكن كما تعلمين: فالضمير هو آخر ما يمكن للإنسان أن يتشبث به ليبقى إنسانًا حقًا.

الضمير صديق وفيّ لمن لا يعرفه، لا يجامل ولا يداهن، ولا يخطئ حدسه أبدًا، حتى وإن رُميَت في وجهه كذبة منمقة مغلفة بغلاف ”التبرير“ فلن يصعب عليه اكتشاف زيفها. وسيظل متمسكًا بصراحته لأجلنا ليس إلا.

ومتى مات ضمير الإنسان فقلْ على صاحبه السلام، فقد قطع حبل التواصل مع غيره وأصبح إمعة لا يحب إلا نفسه ولا يحزن لحزن غيره ولا يأبه بكسبه من حلال أو من حرام، ولا يشعر بحاجة غيره إليه، يكون أنانياً منعزلاً لا يعلم ما يدور حوله، وهذا طريق الفشل في الحياة، وإن أدى موت الضمير إلى التعدي على حقوق الغير والإخلال بالواجب فإن صاحبه يأثم ويندم على تفريطه، وما موت الضمير إلا نتيجة لضعف الإيمان في القلب، لأن قلب المؤمن قوي الإيمان حي نابض واع غيور محب للخير يحب لغيره ما يحب لنفسه، ويألم لألم غيره ويحزن لحزنه، ومن مات ضميره فعدمه خير من وجوده، لأن موت الضمير قد يؤدي إلى إلحاق الضرر بغيره، ولكن لا نيأس من هدايته وعودة ضميره إليه، لأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم رحمة منه بخلقه.

الضمير مع وفائه إلا أنه لا يَعِد صاحبه أن يوقف جميع حماقاته، أو أن يجعله يتخلى عن عاداته السيئة، ليس هذا من ضماناته الأوليّة، ولكن يستطيع أن يضمن له كراهية تلك الأخطاء في نفسه، وتردده في مقارفتها مجددًا، أما ما بعد ذلك فتتكفل بضمانها الأيام!

حياة الضمير تعني إحساسه بما يدور حوله وإعطاء كل ذي حق حقه، وهذا أمر يهم كل مسئول تحمّل الأمانة، فلتحيا ضمائرنا ونحس بمن حولنا ونؤدي الأمانة على الوجه الأكمل فهذه حياة القلوب ولا قيمة للبدن بدونها، ومن مات ضميره فهو كالميت وإن كان حياً لأنه يصبح جسداً بلا روح.. وكلما ضعف الضمير كلما تأخرت ساعة الوعي وكأنما على ضمائرنا أقفالها.

تشبثوا بضمائركم جيدًا، أفسحوا لها المجال لتتحدث وتتنفس وتحاول أن تقنعكم برأيها. فحتى لو لم نقتنع، حتى لو لم نستجب لنصحها، فيكفينا شرفًا أن ضمائرنا لا تزال حيّة.