آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:41 م

في عيادة الدكتور آدم .

ليلى الزاهر *

أحْدث الطب ثورات بيولوجية هائلة في العهود الإنسانية المختلفة، وكان له شرف السيطرة على مبادئ الهندسة الوراثية واختفاء بعض الأمراض من سجل الإنسانية.

لقد استحدث الطب التجميلي ابتكارات جمالية عديدة وأجرى عمليات تجميلية مختلفة، انطلقت من باب العلاج وتوقفت تطرق باب الترف.

إلى أن امتدّ زخرفه الجمالي إلى شرائح المجتمع المختلفة فطغى عليها رُعُونَة الجمال وطَيْشه.

كان هذا حديث الدكتور آدم في مؤتمره الطبيّ الذي عقده في قاعة المؤتمرات وتناول فيه موضوع عمليات التجميل بين الترف والحاجة.

كانت الأستاذة شرف أستاذة القانون تستمع له في هذا المؤتمر وما أن أغلق المؤتمر جميع أعماله حتى بادرت شرف بحجز موعد طارئ في مستشفى آدم التجميلي واستطاعت أن تظفر بموعد بالرغم من كثرة المواعيد وتزاحمها عند الطبيب آدم.

انطلقت الأستاذة شرف بمركبتها الفارهة متجهة صوب مستشفى الدكتور آدم التجميلي.

عندما وصلت للمستشفى وترجلت من مركبتها ودخلت البوابة شعرت لأول وهلة أنها في مركز تجميلي للعناية بالمرأة ولكنها شيئًا فشيئًا بدأت تقتنع أنها في مستشفى عندما رأت الجنود البيضاء وهم ينتشرون في الممرات وبعض الغرف المفتوحة.

وصلت لجناح فخم يضم عيادة الطبيب الاستشاري آدم، وبعد بضع دقائق من الانتظار استطاعت الدخول عليه.

رحّب بها الدكتور آدم وأفصح عن سعادته بحضورها لمشفاه، ثم أعرب عن سروره بتقديم المساعدة لها.

بدأت حديثها قائلة:

لقد أصبحت العمليات التجميلية ضرورة لإصلاح بعض العيوب، والتشوهات الناجمة عن الحوادث المختلفة.

ردّ عليها:

نعم يا سيدتي، لقد أخرج طبيب التجميل نماذجا تستدعي تمجيد الخالق عند رؤيتها، والشكر له تعالى أن سخّر لنا تلك اليد للتخفيف عن آلام الناس النفسية والجسدية.

السيدة شرف:

ولكن عندما يصبح التجميل ترفا وتُصرف عليه مبالغ طائلة دون مبرر له غير الاستعراض والنجومية أمام الأقران فإن الصور المُتكررة التي تخرج من تحت يد طبيب التجميل تفقد التوقيع الإلهي.

الدكتور آدم:

عندها يا سيدتي سوف يظهر الجمال الممسُوخ الذي صنعه الإنسان كقطيع متشابه.

أطرقت برأسها وبدت لمحة حزن تطفو على قسمات وجهها وأردفت قائلة:

كل ما تحدثه عمليات التجميل لمحة جمالية بسيطة للشكل ويبقى الفكر يحدد مسار الإنسان نحو قلوب الآخرين.

فهناك من يمتلك كاريزما اجتماعية تعطيه جاذبية ساحرة دون حاجته لعملية تجميل واحدة.

ردّ الدكتور آدم:

بلاشك، لقد شاهدت مؤخرًا الكثيرات ممن ندمن على عمليات التجميل التي فشلت في إضافة لمسات جمالية جديدة لديهن بل دمرت جمالهن الداخلي قبل الخارجي.

والبعض من النساء رفضن شكلهن الجديد لأنهن وضعن أنفسهن في طابور جمال القطيع ورفضن صورة الباري الجديرة بالثناء في أبدع عناوين الجمال يقول عز وجل: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ سورة الإنفطار «8»

بعد هذا الحوار الثريّ الذي دار بينهما.

أفصحت شرف عن سبب قدومها للعيادة التجميلية فقد أخرجت صورة من حقيبتها ووضعتها أمام الدكتور آدم وقالت له:

أريد أن تجري لي عملية تجميلية حتى أُشبه هذه السيدة الموجودة في الصورة تعجّب الدكتور آدم من طلبها، ولم يفطن للسبب الذي جعل من امرأة فاتنة الجمال مثل السيدة شرف أن تنزل من أبراجها العاجية إلى مستوى أقل جمالا وتطلب منه أن تشبه تلك الصورة التي تحمل ملامحا أقلّ جمالا منها.

لذلك طلب منها أن تخبره السبب لإجراء هذه العملية غير المتكافئة قائلا:

سيدتي أنت تملكين جمالا يفوق جمال هذه المرأة بل أن جمالك يتفق مع المقاييس العالمية لجمال المرأة و.. إلا أنها قاطعته بلباقة قائلة:

لكن يادكتور إن المثل الأعلى للجمال هو الذي يظهر في ميادين البسطاء دون تكلّف ويخلو من المُتناقضات.

الجمال تزينه الفضيلة ولا يحتاج إلى برهان لأن عنوانه البساطة، ويدنو من القلب بمقدار ابتعاده عن التّكلّف ويبدو تجلّي ذلك في جميع أمور الحياة.

ثم أكملت حديثها بحزن قائلة:

أتعرف من هي تلك المرأة؟!

أنها أختي لقد ماتت منذ شهور وابنتها لم تصدق خبر موتها، وقد اتفقت مع طبيبها المعالج أن أبذل كل مافي وسعي لتعود ابنة أختي خولة لسابق عهدها ولم يبقَ لي سوى هذا الطريق بعد أن سلكت كل الطرق وفشلت في إرجاعها للحياة مرة أخرى.

أجابها الطبيب:

ولا يمكنك المخاطرة بهويتك من أجل أمر يتأرجح بين النجاح والفشل في أهدافه.

السيدة شرف:

إلا المخاطرة من أجل إنقاذ طفلة بريئة سوف تقضي نحبها حزنا على والدتها فلابد أن يكون أمرا ممدوحا ويستحق المجازفة حتى بأجمل أيام عمري.

وتحت إصرار السيدة شرف على إجراء عملية التجميل، قرر الدكتور حجز أقرب موعد لها لترتدي ملامحأختها.

تمت العملية بنجاح وأصبحت شرف صورة ناطقة عن أختها ببراعة اليد التجميلية الساحرة

أخيرا جاء الحَجَرُ الأخير مُكملا البناء المرصوص الذي رسمته شرف في مخيلتها.

لقد كانت شرف اسما على مسمى لها بصمة شرف في جميع محطات الشرف الإنسانية

كانت خيرا مطلقا، استولى عليها شعور الأمانة من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، أصبح جلّ تفكيرها في خولة ابنة أختها التي أُصيبت بصدمة نفسية، وحاولت شرف إخراجها من صدمتها بكل الطرق حتى لو كلفها ذلك محو جمال شرف من الوجود.

ما أن أطلّت شرف على ابنة أختها خولة حتى أصيبت بالدهشة ونادتها:

أمي.

أجابتها والفرح يسبق حديثها:

خولة ابنتي الحبيبة أنا أمك ولن أترركك أبدا عزيزتي.

وهكذا تخطت خولة الطفلة الصغيرة أزمتها النفسية وغدت طفلة عادية تمارس حياتها الطبيعية بفضل خالتها شرف.

تداولت مواقع التواصل الاجتماعي الطبية أكبر حدث إنساني سجله مستشفى الدكتور آدم التجميلي.

نقل الخبر معنى الإنسانية في أعلى مراتبها تجاوزا للمعاني الجوفاء خلف معظم عمليات التجميل، وقد تحقق ذلك في واقع الأمر على يد امرأة عربية مثّلت الإنسان الحقيقي، وأعطت الطين الإنساني قيمةجديدة.