آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 6:41 م

تُقْتل الساعاتُ بشرف العمل.

ليلى الزاهر *

مازال ذلك اليوم عالقًا بذاكرتي، إنه أول يوم عمل لي بالشركة التي أعمل بها الآن.

كنتُ سعيدًا جدا عندما أجريتُ المقابلة الشخصية مع بعض المسؤولين؛ فقد أُعجب الجميع بمهاراتي وأحصوا نقاط قوّتي.

أخذني أحدهم في جولة سريعة لأرى بعض مرافق الشركة، وأثناء جولتنا السريعة استوقفني رجل يمتلك مُحَيًّا بهيّا، ودعاني للانضمام إليهم كانت رفقة جميلة، يمزحون، ويتناولون بعض الشطائر. لقد شجعني كثيرا على الانخراط في الحديث معهم. جلستُ معهم فشعرتُ بشيء من الحميمية تجاههم، عرفتُ أثناء محاورتي معهم أن هذا الوقت يُعدُّ فسحة لا تتجاوز عشر دقائق، بعدها يعود الجميع للعمل مجددا.

عرفوا أنني المهندس الجديد الذي سوف يبدأ العمل معهم قريبا؛ فاحتفوا بي وخاصةً ذلك الشخص الذي دعاني للجلوس وقدّم لي قدحًا من القهوة، كان حديثه رائعا، ينمّ عن ثقافة عمليّة، وخبرة حياتية رأيتها بادية عليه من خلال خصلاته البيضاء المتماوجة كضوء القمر في شعره الفاحم. تشعُّ عيناه حبّا لمن حوله وقد ترجم ذلك خدمته لزملائه بسعادة، وقيامه بضيافتهم بين الحين والآخر.

بعد انتهاء زمن الاستراحة انصرف الجميعُ كلّ لعمله، وأثناء مغادرتي سألتهم عن مكتب المدير لأنه طلب رؤيتي، فأرشدني أحدهم إليه، اتجهتُ صوب وجهتي وطرقتُ الباب وعندما سلّم عليّ المدير واحتفي بي عرفتُه حق المعرفة، أنه الشخص ذاته الذي دعاني للجلوس معهم، هو بعينه الذي قدّم لي قدح القهوة، وأثنيتُ على محياه اللطيف وكلماته المهذبة مما أثار اهتمامي لمعرفة من يكون.

هذا هو القائد الرئيس الذي تستطيع أن تضع لسلوكه مع مرؤوسيه أجمل عناوين الإنسانية، تصفه من خلال ذلك ببضع كلمات فتقول:

«القائد الإنسان»

بحق كان لوحة فنيّة تطالعك ألوانها بأجمل سحرٍ خلّاب، جمع بين العطاء الإنساني والتفوق في الأداء الوظيفي.

ومع مرور الوقت نشأت بيني وبينه علاقة من الودّ والقبول، عرفتُه عن كثب، وصرتُ أخوض في غمار حروبه الوظيفية التي خلت من أيّ أسلحة مُدمرة؛ بل هي على النقيض من الحروب الحقيقية، ما تلبث أن تنشر مناخا مهنيّا متميزا، يجمع بين الدينامكية

العاصفة وطمَأْنِينَة النفس واتزانها في أداء العمل.

كان نائبًا عن كلّ موظف يغيب عن كرسي عمله، لذلك تربّع في القمّة وشقّ له طريقا في القلوب.

بكلّ تأكيد كانت أهدافه بعيدة المدى، وكانت مشاعره تنبض بالمسؤولية إزاء الجميع، لذلك تراه يضع يديه في كل شيء، ويلوثهما بغبار العمل ليتذوق لذّة الثمار بعد الغِراس المُضْني.

يبدو لي إنّ علاقات العمل تبدو معقدة نوعا ما إلّا إذا احتضنها قائد حكيم مثل هذا القائد لايمكن أن نصف إدارته فنقول: «نحاول ترميم أخطاء الرئيس»

أو:

«لو لم يكن هذا مديرنا لآلت الأمور إلى خير»

لقد دأب مديري القائد في جميع توجهاته على خَلْق بيئة مُحفّزة للعمل ينمو خلالها المردود الإنتاجي سريعًا، يفرز مشاعر العدالة الحقيقية ليفوح أريجها بين الجميع دون تهميش لأحد، يزن الجميع بميزان مُنصف لايشوبه تفريق مآله تمزيق للوحدة المهنية.

ثمّة شعور غمرني هذه اللحظة لابد أن أقوله لكم: لقد اختفى هذا النموذج القائد وبرزت إدارات همّها الوحيد مصلحتها وما يعود عليها من نفع شخصي، يهمّش مصلحة العامة لكنني مؤمن بالمثل الدارج «لو خُليت لخُربت» لذلك على الرغم من الفساد الضارب في أعماق المجتمعات العملية لكن يُفترض وجود بصيص أمل يُنهي ثبات الفساد، ويخرجه من دائرته المغلقة.

تطورت علاقتي بمديري «القائد» في العمل، وجمعتنا صداقة قويّة، وأكبرتُ في شخصه الإنسان الحقيقي الذي يحلق في سماء الإنسانية، ليس فقط من أجل إسعاد الجميع بإنتاجية ذات مردود عالٍ في العمل وإنما في أسرته وبين أحضان مجتمعه أيضًا.

وآخر وصية سمعتها منه قبل أن يوارى الثرى

كانت تترجم سيرته، حيث أوصاني بالتفاني في العمل فقال:

‏يشعرُ البعضُ بألم عندما يهمُّ بانتزاع ورقة من الروزنامة، وقد مضى يومه دون أن ينجز ما خطط له، فكيف ينتهي زمن إقامته في الدنيا دون أن يرضي ربه، ويترك بصمة جميلة تزور أحبابه بين الحين والآخر عند اشتعال الذكريات.

‏نقتل الأيام بقتل الساعات ونقتل ساعات أعمارنا بشرف العمل أما التّسويف فهو سُوس ينخرُ البدن.