آخر تحديث: 17 / 5 / 2021م - 11:15 م

القرآن والإبداع في الفنون «5»

محمد المصلي *

تعامل النبي ﷺ وآل البيت والصحابة مع كتابة الآيات النازلة:

من مهام الرسالة والنبي الأكرم ﷺ هي توثيق ما نزل من آيات القرآن الكريم أولا بأول والدلائل واضحة لألا يعبث العابثون بهذا المنجز الرباني.

”النبي ﷺ كان يملي كل ذلك على علي ليكتبه: حدثنا محمد بن الحسين عن محمد بن أسلم عن ابن أذينة عن أبان عن سليم بن قيس عن أمير المؤمنين قال كنت إذا سألت رسول الله ﷺ أجابني وإن فنِيت مسائلي ابتدأني فما نزلت عليه آية في ليل ولا نهار ولا سماء ولا أرض ولا دنيا ولا آخرة ولا جنة ولا نار ولا سهل ولا جبل ولا ضياء ولا ظلمة إلا أقرأنيها وأملأها عليّ وكتبتها بيدي وعلمني تأويلها وتفسيرها ومحكمها ومتشابهها وخاصة وعامها وكيف نزلت وأين نزلت وفي من أنزلت إلى يوم القيامة ودعا لي أن يعطيني فهما وحفظا فما نسيت آية من كتاب الله ولا على من أنزلت إلا أملاه علي[1] “ [2] 

بالإضافة لحفظ القرآن وتدوينه أمر الله رسوله ﷺ أن يكون للقرآن حفظة وكتاب ومفسرين لما يشكل على البعض من أمور متشابهه. ”هذه الأحاديث تدل على أن علم القرآن كله عند أئمة أهل البيت [3] 

وفي الحديث: قال الباقر : «إن من علم ما أوتيتا تفسير القرآن وأحكامه» [4] 

وفي الحديث: قال الصادق : «إني لأعلم كتاب الله من أوله إلى آخره كأنه في كفيّ». [5] 

وفي الحديث: «قال الصادق : وعندنا والله علم الكتاب كلّه» [6] 

وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِندَهُۥ عِلْمُ الْكِتَبِ[7]  قال الباقر : «إيانا عنى. [8] »

خطط وبرامج للقرآن الكريم:

إذا لابد من وضع خطة وبرنامج تربوي مدروس للشباب للتحضير لمناهج تعتمد على السلوك التربوي والاجتماعي في صياغة حديثة لتحضير جيل يهتم ويعتني بالمعارف القرآنية من جميع المجالات كالنواحي الجمالية والذوق ومختلف الفنون.

”فينبغي للقارئ أن يحضر القلب حال قراءته ليعلم ما يقوله فإن تكليف اللسان النطق بما يسمع وتكليف القلب تفهم ما يسمع... وأن يقدّر في نفسه أنه المخاطب المقصود بالخطاب الحق الخلق في وعده ووعيده“ [9] 

في هذه الدراسة أبين أن القرآن له اهتمام كبير ليس بألفاظ فنية من هنا وهناك بل يوجد منظومة علمية وقيمة ثقافية غنية بالتعبير العميق بألفاظ تعنى بأنواع كثيرة في الفنون التشكيلية وغيرها من الفنون التي أحاول قدر المستطاع أن أوضح بعضها تباعا، ”يذكر الباحثون في تاريخ الفنون أن الحساسية الجمالية عند الإنسان هي غريزة فطرية بغض النظر عن وضعه الذهني أو الثقافي أو البعد الزماني أو المكاني“ [10] 

تحسين الصوت أثناء قراءة القرآن:

من ميزات الفنون أنها جاذبة للعقل والنفس والقلب والأحاسيس والمشاعر عموما، ”لأن الجميل هو الذي يسر النظر والسمع واللمس العضلي أحيانا“ [11]  واستثمارها بما يليق بالأمر، ليس محببا فقط بل مندوبا كثيرا لأهميته وضرورته.

وضمن الفنون العامة جمال وحسن الصوت وخاصة في أداء الرسالات القيمة ومن ضمنها كتاب الله ورسالة النبي ﷺ.

”ففي الحديث عن الرسول ﷺ ”لكل شيء حلية وحلية القرآن الصوت الحسن“. [12] 

يقول )ص(: «حسنوا القرآن بأصواتكم فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا» [13] 

وفي الصحيح عن الباقر : «ورجع بالقرآن صوتك، فإن الله عز وجل يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعا» ”فإن المراد بالصوت الحسن مقابل اتخاذ القرآن مزامير والترجيع به ترجيع الغناء والتغني به“ [14] 

فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على استحباب تحسين وترقيق الصوت أثناء تلاوة القرآن.

ومن آداب القرآن أن يقرأ بلغة عربية فصيحة، وبلحن عذب يضفي على التلاوة رواءً خاصاً، وروحانية تلهب النفس اشتياقا لكلمات الله. فتلحين القرآن أمر ضروري إذا أريد للتلاوة أن تؤتي ثمارها المرجوة. وقد مارس المسلمون تلحين القرآن - بما يتناسب والأجواء القرآنية - على مر العصور، وسيرة مجالس أهل الذكر وأرباب المعرفة شاهدة على ذلك. يقول الرضا : «إن علي بن الحسين كان يقرأ فربما مر به المار فصعق من حسن صوته» [15] 

ويقول الصادق : «كان علي بن الحسين : أحسن الناس صوت بالقرآن، فكان السقاءون يمرون فيقفون ببابه يستمعون قراءته.»[16] 

ولقد أجاز الكثير من الفقهاء تلحين القرآن، وأفتوا باستحباب ذلك. يقول المولى السبزاوي: «الظاهر من تفسير الطبرسي أن التغني بالقرآن مستحب عنده، وأن خلاف ذلك لم يكن معروفا بين القدماء[17] . “ [18] 

”ولكن غير واحد من الأخبار يدل على جوازه، بل استحبابه في القرآن بناء على دلالة الروايات على حسن الصوت والتحزين والترجيع في القرآن، بل استحبابه“ [19] 

وفي هذا الصدد يقول السيد: ”لا مانع من تلاوة القرآن الكريم بصوت جميل وأنغام تناسب شأن القرآن الكريم بل هو أمر راجح ما لم يصل إلى حد الغناء المحرم، وأما عزف الموسيقى معها فلا مبرر ولا وجه له شرعا“ [20] 

كما أن يتوجب على المقرئ أن يتدرب على علم وفن الصوت ويتقنه ليقرأ بكل سهولة ويسر ويتعرف على المقامات وهي أسلوب للنغم وتنوع الأداء في رفع الصوت وترخيمه واستعمال العرب وموجات الصوت الجميلة.

”فن المقام أو المقامات: هي عبارة عن نغمات وأصوات ذات سلم موسيقى معين اشتهرت عند العرب وأخذتها بلدان مجاورة كإيران وتركيا، ونحن نلاحظ هذه المقامات دخلت في كثير من الأمور الصوتية كالمدائح والمراثي الحسينية، وكذلك في تلاوة القرآن الكريم.“ [21] 

[1]  «بصائر الدرجات»: محمد بن الحسن الصفار. ص 218.
[2]  كتاب «مصحف فاطمة» الشيخ مهدي المصلي. ص 7,8.
[3]  كتاب «مطارحات في العقيدة»: الشيخ حسين المصطفى. 360
[4]  المصدر السابق: ص359.
[5]  «الكافي»: ج 1 ص 229.
[6]  كتاب «مطارحات في العقيدة»: الشيخ حسين المصطفى. ص 360
[7]  سورة الرعد: آية: 43
[8]  «الكافي» ج1 ص 229
[9]  كتاب «بداية الهداية» الشيخ عبد المحسن اللويمي ص 167. تحقيق الدكتور المرحوم عبد الهادي الفضلي.
[10]  كتاب «قراءة في تارويخ حركة النقد الفني»: الدكتور كاظم شمهود طاهر. ص 13.
[11]  كتاب: بحث في «علم الجمال» تأليف جان برتليمي. ترجمة أنور عبد العزيز. ص 380.
[12]  «الكافي» ج 2 ص 615 عن كتاب مطارحات في العقيدة: ص 73
[13]  «وسائل الشيعة»: ابواب قراءة القرآن ب24 ص 6
[14]  «المكاسب المحرمة» - السيد الإمام - ج 1 - الصفحة 227.
[15]  م. ن. ح5.
[16]  م. ن: ح2.
[17]  كفاية الأحكام: ص 86.
[18]  كتاب «مطارحات في العقيدة»: الشيخ حسين المصطفى. ص 74
[19]  المصدر السابق. ص 75
[20]  كتاب أجوبة الاستفتاءات السيد القائد: ج2 ص31 - 32 عن كتاب «مطارحات في العقيدة» الشيخ حسين المصطفى. ص 76.
[21]  كتاب «مطارحات في العقيدة»: الشيخ حسين المصطفى.: ص 73
الفنان محمد المصلي ـ ناقد فني