آخر تحديث: 21 / 6 / 2021م - 6:09 ص

‏‏‏‏‏‏‏الموت لا يغيب العظماء

رضي منصور العسيف *

لا شك أن رحيل الأحباب والمؤمنين يترك أثره على النفوس، فيعتصر القلب لوعة على الفراق، وتذرف العيون دموع الحزن... وتختفي البسمات، ولكن هذه هي سنة الحياة فهي لم تبنى على البقاء بل جُعل الفراق ميزة لها... ففي كل يوم يطرق أسماعنا نبأ رحيل أحدهم... حتى شهدت الأيام الماضية رحيل نخبة من أبناء ورجال القطيف وكان لرحليهم أصداء وأصداء... ضجت وسائل التواصل الاجتماعي بنقل خبر وفاتهم... وأوجع رحليهم قلوب محبيهم... ولكن ليس لنا إلا القول ”إنا لله وإنا إليه راجعون“

الموت يغيب الأجساد إلا أن الأعمال والصفات تبقى خالدة، وإليكم بعض صفات من رحلوا عنا وهم:

المرحوم المهندس الشماسي... الهم الاجتماعي

المرحوم المهندس عباس الشماسي هو أحد الرموز الوطنية، وهو نجم ساطع في سماء القطيف، حمل هموم المجتمع، وعمل على رفع المستوى الاجتماعي والحضاري للقطيف. وذلك من خلال تسلمه لقيادة خيرية القطيف ولجنة التنمية الاجتماعية ورئاسة المجلس البلدي.

شخصية مؤمنة بقدراتها... شخصية مؤمنة بمسئولياتها تجاه مجتمعها... لم تكتفي بالنظريات بل أبدعت وطورت في العمل المؤسسي والاجتماعي، وعملت بكل جد وإخلاص للنهوض بالمجتمع... عاش مع المجتمع بل ذاب فيه... شاركه أفراحه وأتراحه... كل من عاشره وجد فيه مقولة الإمام علي : ”نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ“ [1]  وكما يقول الإمام الباقر : إن العمل الصالح يذهب إلى الجنة فيمهد لصاحبه كما يبعث الرجل غلامه فيفرش له، ثم قرأ ﴿وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلأنفسهم يمهدون [2] .

سنجد المهندس الشماسي في كل مجالات العمل التطوعي حيًّا بيننا لم يغب ولن يغيب، لأنه من الشخصيات التي تستحق التخليد.

المرحوم الحاج محمد آل رجب... بناء الإنسان الصالح

المرحوم الحاج محمد حسين آل رجب هو شخصية مؤمنة، ذو أخلاق كريمة، محب للآخرين، يتردد على مجال العلم والعلماء.

أسس وصاغ أعظم مشروع ألا وهو صياغة الإنسان الصالح المتمثل بالخطيب البارع الشيخ أحمد آل رجب.

نعم لقد غرس الأب صاحب القلب النابض بحب العلم وأهل البيت عليهم في نفسية ابنه هذه الخصال، وقد عمل على تهيئة الأجواء الثقافية والفكرية والاجتماعية التي تعززه وتشجعه ليكون خطيباً مفوهاً مميزاً.

عندما تستمع لهذا الخطيب تجد تلك الخطابة الرصينة والأصيلة والمحكمة.

لقد طبق الحاج آل رجب قول رسول الله ﷺ: إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له [3] .

عائلة كحليني... الصبر على البلاء

فقدت الملاحة ثلاثة من خيرة رجالها: الحاج عبدالخالق وأخويه عبدالقادر وعلي حسن كحليني... فقد مؤلم وموجع ولكن هذه العائلة مؤمنة بقضاء الله تعالى وهي تعلم علم اليقين أن هذه المصيبة إنما هي بلاء وامتحان ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ البقرة/ 155

عائلة كحليني هي عائلة مؤمنة متمسكة بأهل البيت وتعمل لخدمتهم ولذا فهي تعي هذه الأحداث بأنها ابتلاء للمؤمن حيث ورد عن الإمام الكاظم : لن تكونوا مؤمنين حتى تعدوا البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وذلك أن الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء. وورد رسول الله ﷺ: لا تكون مؤمنا حتى تعد البلاء نعمة والرخاء محنة، لأن بلاء الدنيا نعمة في الآخرة، ورخاء الدنيا محنة في الآخرة [4] .

نعم عائلة كحليني هي مثال للصبر على البلاء، ونتيجة الصبر كما يقول تعالى ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ الزمر/10

المرحوم الحاج عبدالرحيم العيد... الطاهر الخلوق

هذا الرجل لا يعرفه إلا من اقترب منه، حيث سيجده شخصية تتسم بالهدوء في كل حركاته... لم يكن صاحب مشروع اجتماعي ولكنه كان يمثل قمة الأخلاق، وهذه الصفة هي صفة ربانية لا ينالها إلا ذو حظ عظيم حيث يقول رسول الله ﷺ: الأخلاق منائح من الله عز وجل فإذا أحب عبدا منحه خلقا حسنا، وإذا أبغض عبدا منحه خلقا سيئا [5] .

كما أنه يمتاز بالطيبة وطهارة القلب وهو مثال لقول الإمام علي : قلوب العباد الطاهرة مواضع نظر الله سبحانه، فمن طهر قلبه نظر إليه [6] .

كما أنه كان محباً للحسين ويكثر من حضوره مجالسه ولهذا نال درجة حب الله ”أحب الله من أحب حسيناً“ وسيكون الحسين شفيعاً له يوم القيامة.

أخيراً لابد أن نعلم أن بقاءُ الذّكر الجميل، واستمرارُ الثناء الحسَن، نعمةٌ عظيمة يختصّ الله بها من يشاء مِن عباده ممن بذَلوا الخير والبرّ، ونشروا الإحسان، ونفعوا الخلق، يقول تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا

[1]  نهج البلاغة، خطبة المتقين
[2]  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 3 - الصفحة 2124
[3]  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 3 - الصفحة 2124
[4]  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - الصفحة 304
[5]  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 1 - الصفحة 802
[6]  ميزان الحكمة - محمد الريشهري - ج 4 - الصفحة 3327
كاتب وأخصائي تغذية- القطيف