آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 6:25 ص

كرسيان وخمسون عاشقًا

عبد الباري الدخيل *

هناك من يعتقد أن المقاعد خرساء، لكنها في الحقيقة تغص بالحكايات والذكريات، فكم من أسرار كُشفت على أطرافها؟
وكم من موعد تعثر بغياب أحدهما؟
وكم من عاشق رمى بجسده على الكرسي ليريح أنفاسه المتهالكة؟
وكم من مشتاق أسند ظهره عليه ليساعده على تحمّل المفاجأة؟
وكم من آمال وآلام سكبت هنا وجرت بعدها آلامًا وآمالًا أخريات؟

للكراسي أحاديث منمقة، لكنها تحتاج لمن يفك شفرتها.

كم جلسنا وتحدثنا؟ وكم كتبنا بأنفاسنا المتلاحقة قصص الأحلام وآمال المستقبل؟

عدت للمكان الذي نحب.. وعلى الكرسي الذي شهد تعهدنا ببقاء نبع الحب متدفقًا، في الحديقة المقابلة لبحر دارين، حيث كنا نهرب عندما يزدحم المكان بعيون الزائرين.. مازال هناك كرسيان من إسمنت.

كنت أجلس على كرسيّنا المعهود ممسكًا بكوب الشاي، أتأمل البحر من بعيد.

الكرسيّ الآخر احتله قُطّ أسود، يتضور جوعًا، عرفت ذلك من مراقبته لسفرة العائلة التي تفترش الأرض قريبًا مني، ولعل الجوع شغله عن أطفالهم الذين  يركضون فيملؤون المكان بالبهجة والفرح.

وأنا أتأمل الأطفال يلعبون تعثرتُ بذكرى حينما تعثر طفل بالحبل.

كان الأطفال يلعبون لعبة نط الحبل لكنه كان مثلي لم يوفق للفوز بأكثر من قفزتين أو ثلاث.

لا أعلم لو حاولت الآن هل سأتعثر بالذكرى أم بالحبل؟

وعندما أبكي هل سيبكي المكان معي أم سيتركني كما تركتني وذهبت إلى رجل آخر؟

لا أستطيع التفكير فغيابك كأس مرّ أتجرعه حتى الثمالة. 

لا أخفي عليك أنني حاولت وحاولت وحاولت، لكنني لم أوفق، فكأنها كتبت باسمك ولم يوفق لإتقانها أحد مثلك.

ذات يوم رأيتك تقفزين برشاقة غزال فحسدتك، قلت في نفسي: متى سأفعلها؟
هل مازلتِ تجيدينها؟
أم أن الاستقرار نصب خيامه عند بابك؟
ولعلك مذ رحلتي عن حينا لم تلعبيها؟
أنا أجرب حالي كل يوم؛ لكنني أفشل، فمن أصعب الأمور اللعب بالبيضة والحجر، ونط الحبل لا يجيدها إلا من كان قلبه من حجر، أو غزال منحته غريزته فنون الهرب.

مازلت أمدّ لك الحبل، وأقف أنتظر عرضك الأسطوري، لا يهمني من هذه اللعبة إلا رؤيتك سعيدة.. فضحكتك تملأ المكان سعادةً وفرحًا.

أتذكر أننا ذات مساء رأينا طفلًا يلعب بالحبل عند البحر، أمسكتِ بيدي ونظرت في عيني مباشرة وقلت: أحب هذه اللعبة.
سألتك بكل بساطه: هنا؟
ضربتني على كتفي وقلت: هنا وأنا ألبس تنورة؟
وبعدها أدمنت الفشل فيها كما أدمنت سماع ضحكتك.. هل كنت أسقط لتضحكين؟
لا..
كنت أسقط لتكوني الأول، كنت أسقط لأراك غزالي القافز بين الغيوم، وما زلت أسقط، لكنني لا أسمع ضحكتك، وإن مزق الصمت ألمي.

سقط الطفل لكن لم يضحك أي أحد، فقط أمه قفزت تركض نحوه، وكأنها تقول له: ولدي حبيبي.. هل أصابك من ضرر؟