آخر تحديث: 20 / 10 / 2021م - 10:17 ص

من جيل إلى جيل

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

لفت انتباهي هذا الأسبوع حديث د. نورة الصويان، حول انعكاس التحولات التي تمرُّ بها المملكة، على سلوكيات الشباب وأوضاعهم النفسية، ومن ثم تحولات العلاقة داخل العائلة وبين الجيران. وتقول الدكتورة الصويان، وهي أستاذةٌ جامعيةٌ بارزة واستشاريةٌ في مشكلات العائلة والزواج، إنَّ تسارع التحولات في المجتمع تؤدي بالضرورة إلى تحولاتٍ موازية في شعور الأفراد بذواتهم، وتصورهم للعلاقة مع الآخرين في محيطهم. لكن الأمر لا يجري على نحوٍ سلس أو متوائمٍ في غالب الأحيان. من ذلك مثلاً أن تغيُّر المكانة الاقتصادية والقانونية للنساء خلال السنوات العشر الأخيرة، قد أثمر، حسبما لاحظت الدكتورة الصويان، تراجعَ التأزمات النفسية عند المرأة، لكنه ولّد عناصر تأزم إضافية عند الأزواج والشباب المقبلين على الزواج.

في العادة يُنسب هذا النوع من التحولات إلى تغير ميزان القوى بين الجنسين. المرأة التي كانت تصنف اجتماعياً وقانونياً ك «تابع»، باتت اليوم مستقلة إلى حد كبير. ومع أنه ما زالت أمامها مسافةٌ قبل المساواة الكاملة، إلا أن ما حصل حتى اليوم يعد تحولاً جذرياً، حتى بالقياس إلى ما كانت عليه الحال في 2018، فضلاً عما قبلها.

إني أميل إلى مراقبة هذا النوع من التحولات الاجتماعية والاقتصادية، من خلال انعكاسها على ذهنية الفرد، أي مجموع العناصر التي تسهم في تشكيل سلوكه العفوي ورؤيته لذاته والمحيط. هذه التحولات تعيد تشكيل الهوية الفردية، على نحو يتناسب مع توجهات الفرد نفسه، حتى لو جاء على خلاف ما تربى عليه، أو ما ورثه من ثقافة. في الحقيقة فإن هذا هو الذي يحدث في أغلب الأحيان. إنَّ ذهنية الفرد في مرحلة الطفولة «ومن ثم هويته» تتشكل بتأثير العائلة والمحيط الاجتماعي والمدرسة. لكن كثيراً من مكونات الهوية يعاد تشكيلها في مرحلة النضج، لا سيما بعد انضمامه إلى سوق العمل، تحت تأثير المحيط الأوسع.

إنَّ الانفتاح على خارج المحيط الاجتماعي، إضافة إلى تغير نمط العيش أو مصادره، يشكلان العامل الأكثر تأثيراً في تشكيل هوية الفرد الجديدة. ولهذا السبب تحديداً، فإنَّ علينا التأمل في النطاق الذي يتعامل معه الفرد، في كل مرحلة من حياته. إنَّ انفتاح الأطفال والمراهقين على العالم من خلال الإنترنت، يسمح بإعادة تشكيل ذهنيتهم وهويتهم في تلك المرحلة المبكرة. وبالتالي فإن مفارقة الثقافة الموروثة، وما فيها من تقاليد وأعراف وعلاقات، ستبدأ في مرحلة مبكرة.

جوهر التغيير الذي يحصل في هذه المرحلة يتناول تقدير الفرد لنفسه، حيث يشتد الميل إلى مركزية الذات في مقابل الجماعة. إنَّ رد الفعل العائلي والاجتماعي، هو الذي يقرر ميل الفرد للانسجام أو المنازعة أو الانكفاء والخنوع. الأفراد الذين يلقون تفهماً وترحيباً من قبل العائلة والمدرسة، سوف يحاولون التعبير عن ذواتهم المستقلة في إطار الجماعة. أما الذين يواجهون تثبيطاً أو مناكفة، فهم على الأرجح سيركبون قطار التمرد، اللين أو الخشن.

مرحلة الانفتاح وامتداداتُها هي التي تقرر إلى حد بعيد مستقبل البلد ككل. إذا أردنا صناعة مستقبل مزدهر، فعلينا أن نستوعب الشباب في لحظة انفتاحهم وما بعدها، أن نتحمَّل نزوعهم القوي للاستقلال والتفرد، وأن نخالف قناعاتنا المستقرة. أما إذا واجهناهم بالإنكار، فسوف ننتج جيلاً فوضوياً، بعضه يحترف المناكفة، وبعضه منكفئ على ذاته.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.