آخر تحديث: 20 / 10 / 2021م - 10:27 ص

السيدة سكينة بنت الإمام الحسين (ع)

وأنى لنا أن نسطر بعض الحروف توفية لحق غصن من غصون الدوحة المحمدية وبيان مقامها وبعض خصوصيات شخصيتها المباركة، وهي من وصفت بأنها سيدة نساء عصرها وامتداد لشخصيات نساء أهل البيت في الكمالات والتحلي بالفضائل بأعلى درجاتها، فيكفي في التعريف بجوانب العظمة ورفعة الشأن في ذاتها المباركة تبيان البيئة الإيمانية التي تلقت منها معالم الفكر الواعي والاتزان الوجداني والسلوكي، فالسيدة سكينة صاحبة الرجاحة في العقل والسداد في المنطق ويشهد لذلك سيرتها ومواقفها، كما أنها تحلت بالكمال الخلقي فقد تجلببت بتاج العفة والصون، كما أنها في علاقتها بربها وصلت لأعلى مراتب التوحيد والورع والعبادة الواعية المبنية على الرشد.

وقد ورد في سيرتها التبليغية والرسالية أنها شابهت جدتها الزهراء وعمتها الحوراء زينب بأنها الملاذ الشرعي والتوجيهي لنساء المدينة، فقد كان مجلسها المبارك مقصدا لهن يتلقين من هذه المرأة العظيمة مسائلهن الشرعية وتبيان مقاصد الآيات القرآنية ويسمعن الروايات الشريفة التي وعتها من أبيها الحسين وأخيها السجاد .

وهذا يكشف عن جانب آخر من شخصيتها المباركة وهي الهمة العالية والمثابرة الدائمة في العطاء المعرفي، فما واجهته من مصاعب ومصائب شاهدتها بعينها مما يفجع الصخر الأصم، لم يضعفها نفسيا ويلق بها في أتون اليأس والعجز، بل هي الشمس الساطعة في عالم المعرفة والأدب وأداء الرسالة كما كان عليه جدها المصطفى ﷺ من مثابرة وجهد حثيث في طريق هداية الناس وإرشادهم للحق والهدى، فمجلس السيدة سكينة كان محلس علم وتهذيب للنفوس بما تتلقاه من توجيهاتها التي استقتها من بيت الإمامة.

ولما بلغت السيدة سكينة مبلغ النساء تقدم لخطبتها ابن عمها عبد الله بن الإمام الحسن المجتبى ، وكان كفوا كريما لهذه المرأة العظيمة وامتاز بدرجة الشهادة في سبيل الله دفاعا عن الحق وإمام زمانه، إذ شارك عبد الله الشهيد في نهضة عمه الحسين وكان معه في كربلاء، وسطر البطولات كأبيه وجده في ساحة الوغى حتى سقط شهيدا، ولم تتزوج السيدة سكينة بعده قط، وكان عمرها الشريف في يوم الطف في التاسعة عشر، وما روي من فرية أزواجها المتعددين - حاشاها - ما هي إلا لتشويه صورتها الناصعة والكمالية، وهذا الخط التشويهي ليس بأمر جديد فقد حدث ذلك مع جدها أمير المؤمنين وعمها الإمام الحسن المحتبى من أقلام مأجورة ما حصدت إلا الخيبة والخسران، فكل تلك الروايات المكذوية عليها والمروية من الزبير بن بكار معروفة الدوافع ومدى الكراهية لأهل البيت .

ومما يظهر مقامها الكمالي هي تلك الشهادة من الإمام المعصوم لما خطبها ابن عمها الحسن المثنى، فلم يؤيد ذلك الإمام الحسين لتباين شخصياتهما وهي أليق بابن عمها عبد الله بن الإمام الحسن ، حيث قال أنها مستغرقة في الله عز وجل، كناية عن عبادتها التفكيرية الواعية، وهذا لا يعني - بالطبع - أنها تفرق عن أختها السيدة فاطمة الكبرى لما وصفها الإمام الحسين بأنها تشبه جدتها الزهراء فتقوم ليلها وتصوم نهارها، وإنما طرق العبادة بعدد أنفاس الخلائق وعبادة التفكر في خلق الله تعالى ومصنوعاته وبديع ما أوجده في كونه يورث الإيمان والخشية من الله تعالى والحصانة النقسية والأخلاقية، وهذا الاستغراق يعني حالة من الانقطاع لله عز وجل والأنس بذكره، وهذا ما جعل لها مكانة خاصة في قلب أبيها فسماها بخيرة النساء في الشعر المنسوب له في كربلاء:

فإذا قتلت فأنت أولى بالذي * تأتينه يا خيرة النسوان

وقد شاركت أخاها السجاد وعمتها الحوراء زينب في الدور الإعلامي لواقعة الطف وما جرى فيها على الإمام الحسين وأصحابه من جرم فظيع انتهى بالشهادة، كما كانت الصوت العالي في رحلة السبي المؤلمة لتحكي تلك الأهداف الإصلاحية السامية التي دعت الإمام للنهضة والوقوف بوجه الظلم والعدوان.

وما أجرأهم على حرمات الله تعالى من حاولوا النيل من شخصها الكريم بنسبة ما يخدش الحياء لها من عقد مجالس الشعر مع الرجال، وهي سيدة العفة والإيمان والمعرفة والتقى، ومن ترعرعت بين أحضان الإمامة وتغذت من زادهم المعرفي والتهذيبي، وإنما هي افتراءات الرواة بغرض الخدش في مكانتها العالية ولكن خابت آمالهم.