آخر تحديث: 5 / 12 / 2021م - 6:25 ص

ظاهرة الطلاق وما بعده: أسباب الوقوع ومقتضيات الإحسان

جهينة الإخبارية السيد عبد الحميد الحسني

صدر كتاب «حتى لا يقع الطلاق» للمفكر الإسلامي سماحة الشيخ الدكتور عبد الله أحمد اليوسف، ضمن إصدارات دار بسطة حسن للنشر والتوزيع سنة 1443 هـ - 2021م. والكتاب في الأصل محاضرة لسماحة الشيخ الدكتور اليوسف ألقيت في 14 من شهر رمضان المبارك 1442 هـ الموافق لـ 19 شهر أبريل 2021م بمدينة سيهات.

حجم الكتاب 98 صفحة توزّعت على المقدّمة وخمسة أبواب إلى جانب خاتمة على شكل مستخلصات وملاحظات.

وقد عنون المؤلف اليوسف الأبواب الخمسة لمقاربة ظاهرة الطلاق في المجتمعات العربية ب:

الباب الأوّل: أبغض الحلال إلى الله.
الباب الثاني: الطلاق في أرقام.
الباب الثالث: أهم أسباب الطلاق.
الباب الرابع: حتى لا يحدث الطلاق.
الباب الخامس: إرشادات لما بعد الطلاق.

استهل المؤلف كتابه بالآية الشريفة 229 من سورة البقرة، لعلاقتها بموضوع دراسته التي ألمح الشيخ الدكتور اليوسف في مقدمة كتابه أن: «هذه الأوراق المختصرة محاولة بسيطة لتسليط الضوء على ظاهرة الطلاق مع بيان أسبابها وكيفية معالجتها بهدف التقليل منها قدر الإمكان للحفاظ على كيان العائلة والأسرة من التفكك والضياع، وضمان ديمومة الحياة الزوجية واستمرارها» [1] .

حلال مع وقف التنفيذ

وقد تناول الباحث في الباب الأوّل جملة من الروايات والنصوص الحديثية المروية عن النبي الأكرم ﷺ بخصوص كراهة الطلاق في الأصل وعدم محبوبيته، كما لفت الانتباه لأهداف الزواج المطلوبة والتي تنتفي بوقوع الطلاق.

وفي هذا المستوى تناول الشيخ الدكتور اليوسف بالعرض والتنويه على أن كراهة الطلاق ترتفع بعذر شرعي، مما يتطلّب الانتباه بخصوص ذلك من قبل الزيجات.

مجتمع مهدد بالطلاق

في الباب الثاني اتجه المؤلف نحو توسيع دائرة المقاربة من خلال أبعاد واقع هذه المسألة بالتطرق إلى إحصائيات رسمية خاصة بظاهرة الطلاق في المملكة العربية السعودية بمختلف أشكاله «الطلاق، الخلع، الفسخ» إلى جانب تصنيف الاحصائيات من حيث نسبة وقوع الطلاق من نسبة الزواج عموماً وأيضاً النسب سنوياً وكذا بحسب مدة الزواج والتي أظهرت أن 60% من حالات الطلاق في المجتمع السعودي تقع في السنة الأولى من الزواج، ناهيك عن مؤشرات ظاهرة الطلاق التي تدق ناقوس الخطر بالنسبة لسلامة المجتمع، حيث يلاحظ المؤلف الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف أن «هذه الأرقام والإحصائيات عن عدد صكوك الطلاق في المجتمع السعودي تشير بوضوح إلى ارتفاع مؤشر الطلاق في المجتمع، وهو الأمر الذي يستدعي عمل دراسات تخصصية لمناقشة هذه الظاهرة المقلقة، وإيجاد الحلول الناجعة للتقليل منها» [2] .

هكذا تنشأ فكرة الطلاق!؟

تأسيساً على هذا الواقع المخيف، ذهب المؤلف نحو عرض أهم أسباب الطلاق، واستهل الباب الثالث من الكتاب بالقول: «أسباب الطلاق متنوعة وعديدة، وقد تختلف من حالة إلى أخرى، يعني الآن لـ وسألنا كل إنسان طلق امرأته عن سبب طلاق امرأته؟، قد يكون العذر أو السبب مختلفاً من حالة إلى أخرى، لكن هناك حالات يشترك فيها أغلب المطلقين، حيث سجلت عشرة أسباب للطلاق، طبعاً أسباب الطلاق عديدة وكثيرة، ويمكن للباحث أن يتحدث عن أكثر من ثلاثين سبباً للطلاق، لكن ما هي أهم الأسباب؟» [3] .

في حديثه عن أهم الخلفيات والأسباب إزاء الطلاق أورد المؤلف الشيخ الدكتور اليوسف عشرة نقاط ذات علاقة بالخلفيات المعرفية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والأخلاقية والسلوكية والفنية، فإذا بالثقافة الزوجية تكون أهم مقوّمات منظومة الزواج في المجتمع، وهو ما سيتجلّى في الأبواب اللاحقة، زد على ذلك مستوى التصوّر والمقاربة لماهية الزواج في كل أبعاده وعلاقاته ومسؤولياته وأهدافه ممّا يجعل مقاربة ظاهرة الطلاق أكثر تدقيقًا وتعمّقًا، بناءً على الدقة والالتفات إلى حيثيات الحياة الزوجية وهو مجال منهجي متشابك لأنه متولّد من رحم الإرادات المتدافعة في حقل هذه الحياة خصوصاً في ظل المجتمع الرقمي وما أنتجه من تعقيدات وانحرافات وشكوك، بالإضافة لتدافع الأجيال وسطوة بعض الآباء على تفاصيل حياة أبنائهم حتى بعد الزواج.

فالواقع المتضخم بالملذات والكماليات زاد ظروف المعاش صعوبة وجعل الحياة الزوجية أكثر حساسيةً وتكلفاً، كل هذه المعطيات وغيرها نبّه عليها المؤلف فيما يتصل بمسألة الطلاق، حيث ركز على معاينة أهم صور واقع الطلاق وتصحيح الأخطاء والقراءات المتداولة من جهة، ومن جهة أخرى كشفت مقاربته لأهم الأسباب وعي المقبلين على الزواج بأهمية اكتشاف المشروع والإحاطة به وبأهدافه ومخاطر فشله وإخفاقات التعامل مع متغيراته في ظل التحديات الثقافية والاجتماعية المعاصرة.

حتى يتراجعا عن الطلاق

وقد بيّن الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف في مختلف فقرات الباب الرابع الذي يعتبر مركز ثقل أوراق هذه الدراسة المختصرة حول ظاهرة الطلاق، سبل وطرق تفادي الانجرار أو الوقوع في شرك الطلاق، حيث رسم المؤلف أهم معالم خريطة الطريق التي من شأنها مساعدة الزوجين والأقارب وأعيان المجتمع «حتى لا يقع الطلاق»، وبدأ ذلك كله بالقول: «وعلينا معرفة العوامل التي تمنع حدوثه، وعلاج دوافعه وأسبابه، ومعالجة أي مشكلة تحدث بين الزوجين بحكمة وحنكة، فأكثر المشاكل والخلافات الزوجية يمكن معالجتها وحلها بالحوار والتفاهم، ومنع الوصول إلى مرحلة الانفصال والطلاق» [4] .

من بين أهم القواعد الذهبية للزوجين التي انتهى إليها في هذا الباب المؤلف هي صور مقابلة لأهم الأسباب التي تؤدي إلى تحول الحياة الزوجية إلى جحيم، والأهم في هذا الباب هو التأصيل الشرعي لكل قاعدة والحث على رفع مستوى الوعي الثقافي وتنمية السلوك الإيجابي والتسامح والنهوض بالمسؤولية الزوجية والأسرية من خلال أداء الحقوق والواجبات وتطوير الحياة الزوجية بما يزيد العلاقة بين الزوجين أكثر مودة ورحمة.

ما بعد الطلاق: الواقعية والإحسان

ومن أهم الإشكاليات التي تناولها المؤلف بكل لباقة وصراحة وموضوعية في آخر باب من الكتاب هي واقعية ونجاعة الطلاق في بعض الحالات المعقدة، حيث أشار إلى أن هذه المرحلة تأتي بعد انسداد كل سبل الإصلاح والعلاج، مناقشاً ماهية الطلاق عند المسيحيين ولدى المسلمين، حيث اعتبر ما بعد وقوع الطلاق بمثابة الجزء الثاني للمشاكل مما يستدعي معرفة أهم القواعد التي تهدئ النفوس لتسلم لواقع الحال بعدما لم يصلا للصلح والاستمرار في العلاقة الزوجية، في هذا الباب الخامس والأخير من الكتاب، ناقش المرحلة الصعبة والحساسة المتمثلة فيما بعد الطلاق نقاشاً بدأ فقهياً ثم ثقافياً ليمتد في الأبعاد الأخلاقية والتربوية والاجتماعية على ضوء أساس مهم وهو عنوان الإحسان الذي يتسع لعلاج كل آثار وقوع الطلاق والذي يمثل أمراً إلهياً حدد أن الطلاق في الإسلام يكون على أساس الإحسان وليس التعسف والمكر والإيذاء من كلا الزوجين، كما أن القواعد التسعة التي ذكرها المؤلف حددت مواطن الخلل التي تنتج مشاكل ما بعد الطلاق، وطرح من خلالها العلاجات السليمة للأبعاد النفسية والأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية وأسس لرؤية منفتحة على المستقبل وأرسى معالم ثقافة الحياة الجديدة ووعي المسؤوليات التي تترتب عليها حقوق وواجبات.

الخاتمة

ختم المؤلف كتابه بمستخلصات وملاحظات في مختلف المستويات الثقافية والفقهية، التربوية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية، كخطوة استباقية في بناء تصور ووعي يقوم على المعرفة الفقهية والنباهة الاجتماعية والمسؤولية الوالدية قبل الزواج، فالمستخلصات والملاحظات الستة تناولت مختلف فروع الدراسة الذي وقف فيها المؤلف على الأسباب والمشاكل والعلاجات والقواعد المهمة حتى لا يقع الطلاق وكذا قواعد التهدئة لما بعد وقوع الطلاق، وفي ذلك دلالة على قيمة هذه الأوراق على الرغم من أنها جاءت مختصرة لكنها وضعت عدة نقاط على حروف الحياة الزوجية من جهة وكذا قيمة الإحسان في متغيرات هذه الحياة الخاصة سواء قبل أو بعد وقوع الطلاق.

أهم ما يمكن توصيف هذا الإصدار الجديد والفريد في طبيعة موضوعه ونسق عرضه وتحليله من قبل المفكر الإسلامي الشيخ الدكتور عبد الله أحمد اليوسف، أنه دليل إضافي في مجال التنمية الاجتماعية والثقافة الأسرية وإدارة الحياة الزوجية، كونه قارب أهم الثغرات في واقع الزواج ليس بالمملكة العربية السعودية فقط وإنما في كل المجال العربي والإسلامي، مما يستدعي التوصية باستثمار الخطوط العريضة بالكتاب للقيام بدراسات سوسيولوجية ونفسانية وقانونية وتربوية بمنهج وصفي تحليلي نقدي بناء على عينات خاصة، ما من شأنه تقريب صور الظاهرة وتركيز المسؤوليات واستشراف التحديات وخلق تصورات مهمة في صناعة الوعي والرشد لدى الأفراد والمجتمعات.

منتهى هذه القراءة، نثمن هذه الدراسة الهامة في ظل مجتمعاتنا المهددة بالانحرافات والمشاكل وصراع الإرادات والمصالح والتخلف في الثقافة بشتى حقولها، لأن الأبواب الخمسة جاءت متناسقة ومتكاملة بما أضفاه المؤلف من لمسات ممتازة في البعد المنهجي من خلال مقاربة الظاهرة في أسبابها وعلاجاتها وفق رؤية ومعرفة علمية ثقافية اجتماعية عامة ومعرفة فقهية معاصرة، مما يعكس لدى القارئ تصوراً جديداً ووعياً متقدماً حول مستقبل نواة الصحة المجتمعية وسنام الرشدين الفردي والاجتماعي، فما جادت به أنامل المؤلف الشيخ الدكتور اليوسف استنطق واقعاً اجتماعياً قلقاً من فشل هذه الرابطة الاجتماعية الأصيلة والمركزية في تحقيق أهدافها، وأزاح الستار عن صور التخلف في فقه الزواج والتربية والإدارة والعلاقات والمسؤوليات والحقوق والواجبات، واستطاع أن يبعث نفساً جديداً في الإصلاح وأملاً سليماً في الإحسان، وبالتالي كان الشيخ الدكتور عبد الله اليوسف موفقاً إلى حد كبير في إبراز أبعاد وخلفيات ظاهرة الطلاق، وسبل فك المآزق القائمة بين الزوجين وما يتصل بهما في إطار نوع من الموضوعية العلمية والواقعية ضروري واستراتيجي في بعث وعي جديد بمبادئ العلاقة الزوجية الناجحة، وذلك حتى يتسنى للمجتمع نهضته وتطوره.


[1]  الكتاب، ص9-10.
[2]  نفس المصدر ص 21.
[3]  نفس المصدر، ص22.
[4]  نفس المصدر ص 39