عباس الخزام.. شاعر الطبيعة والانتماء
فؤاد نصرالله مجلة الخط العدد29 26 / 6 / 2013م - 6:51 م

الشاعر عباس مهدي الخزامالشاعر عباس مهدي الخزام طاقة شعرية متميزة، أحاط ذاته بخصوصية متفردة في مجتمع منسجم متصالح مع ذاته وإن اختلفت توجهاته، سجن شاعريته بين محبسين: الغربة والتجوال، والشكل الكلاسيكي الذي دافع عنه ولم يبرحه حتى وفاته، وقدعبر عن أفكاره بلغة مختلفة

ارتبط بمسقط رأسه رغم تجواله الدائب في بعض البلدان العربية. كان أديبا منتجا، ومثقفا عرف بالصلابة وقوة المخيلة.

كان أحد شعراء القطيف في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وقد وثق مسيرته الشعرية من خلال خمسة دواوين كاملة، بالإضافة إلى قصائد متناثرة في دوريات محلية وعربية.

الدواوين هي: « أنغام وآلام »، « باقات قلب »، « الجريح الصامد »، أشواك وورود«، أنغام من أرض النخيل».

بااإضافة إلى ذلك ألف الشاعر كتابين يعالجان فنون الشعر، وقوالبه، وطرائق كتابته، هما « كيف تنظم الشعر؟ » وصدر عام 1954، و« نماذج من الشعر الجاهلي »، والحقيقة أن كل كتاب منهما كان يعالج أنساق التحولات الجذرية التي انتابت القصيدة العربية رغم شغفه بالتراث. إنه زمن ضج بالمتغيرات السياسية والفكرية التي انعكست على القصيدة.

شارك شاعرنا إذن في حركة التأسيس والتمهيد بقدر للقصيدة العربية بالمملكة، ولكنه حرص في ذات الوقت على أن يظل مرتبطا بالتقاليد الراسخة لجماليات هذا الفن؛ لذلك ظل حريصا على كتابة قصائد تنتمي قلبا وقالبا للقواعد الكلاسيكية التي أرساها الخليل ابن أحمد، فجل قصائده الأولى تتميز بالتماسك في المبنى والمعنى، مع قوة اللغة وسعة المخيلة.

كان أبناء تلك المرحلة يعتقدون أن المحافظة على النمط التقليدي للشعر معناه المحافظة على اللغة العربية بكل قداستها وجلالها الذي انتقل إلينا عبر الأجيال.

وقد استفاد بعد ذلك من التحولات التي طرأت على القصيدة العربية بعد القفزة الجمالية التي أحدثها بعض الرواد من شعراء العراق ومصر، وهم جيل الشعر التفعيلي الذيأطلقه كل من: بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي في العراق، وما لبث ان لحق بهم: صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي في مصر، قبل أن تنتشر قصيدة التفعيلة في الشام والمغرب وتونس وبقية البلدان العربية من المحيط إلى الخليج حيث كان البحث عن ذائقة جديدة تواكب العصر.

لم يحاول الشاعر الخزام أن يلقي بنفسه في بحر متلاطم لا يعرف قراره هو « القصيدة التفعيلية » بل آثر أن يظل متمسكا بمنهاجه الشعري الكلاسيكي الذي وجد فيه الملاذ ليعبر عن مواقفه ورؤاه.

كما أنه انتهج أسلوب القصيدة الكلاسيكية المتسقة مع البعد الرومانسي، وأصر على أن يلتزم بالبحور الخليلية والتراتبية الجمالية البلاغية التي استقاها من بيئته الشعرية.

ويجدر بنا هنا أن نعرف بسيرة الشاعر فكثير من أبناء الجيل الجديد لا يكاد يعرف عنه إلا القليل.

ولد عباس مهدي الخزام عام 1934 في القطيف، وتوفي يوم الاثنين 9 يونيو 2007 في البحرين، وقد نقل جثمانه إلى المملكة العربية السعودية حيث وري الثرى في مسقط رأسه القطيف.

كعادة أدباء ذلك الزمن الجميل، كان الأديب مثقفا، تراه يبدع في كل شيء ويحقق شروط الإجادة في كل جانب، فهو خطيب مفوه، وأديب متمكن، وناقد متمرس، ومدرس صاحب رسالة، وصحافي متحقق، كما أنه دارس للقانون.

في مدينة القطيف المطلة على الخليج العربي كانت دراسته الابتدائية، وقد تتلمذ على يد الشيخ ميرزا حسن البريكي، إضافة إلى ذلك دراسته وفهمه وحفظه لعيون من الشعر العربي.

وقدعمل في شركة الزيت العربية “أرامكو” وكانت

لديه ملكة الترجمة وخبرة الصحافة، بعدها انتقل شاباً إلى البحرين حيث عمل في عددا من المجلات الثقافية والدوريات الأدبية، وهي الفرصة التي سنحت له كي يكتب العديد من الدراسات في تلك المرحلة الخصبة من عمره.

في عام 1954 ألف كتابه “كيف تنظم الشعر”، ومن الضروري التأكيد على أن لهذا الكتاب أهمية للناشئة ممن يرغبون في قول الشعر. وكأنه رد على أولئك الذين يرغبون في التخلي عن القصيدة التقليدية ليضربوا بسهم وافر في فضاء الحداثة.

لقد استفاد عباس الخزام من كل موقف حياتي أو تعليمي مر به؛ ففي أوائل الستينيات ذهب إلى بيروت ودرس المرافعات القانونية في الجامعة الأمريكية وهناك قابل مارون عبود وكان شديد الإعجاب به، كذلك كان يصفه ب “كبير النقاد اللبنانيين”، ويبدو أن هذه التجربة قد قلبت بعض المفاهيم لدى الشاعر.

حين بدأت بواكير الصحافة في المنطقة الشرقية في الخمسينات من القرن الماضي ظهر التأثر الشديد بجماعة مجلة “أبولو”، وهو ما طبع قصائد تلك المرحلة لدى عباس الخزام ولو من بعيد.

لم يكن بمفرده فقد وجدت مجموعة من المثقفين والأدباء الذين اقتنصوا الفرصة لتحديث الثقافة السعودية وتجديد دمائها. شخصيات حملت عبء التجديد ومزجت بين تجاربها المحلية وبين رياح النص الجديد القادم من دول عربية. جيل يقف بثبات على تلك الأرض الخالدة برباطة جأش قوي وهو يواجه النظرة التقليدية المتشبثة بكل ما هو قديم ومتعارف عليه: عبدالحميد الخطي، عبدالله الجشي «أبوقطيف»، محمد سعيد المسلم، محمد سعيد الجشي، محمد سعيد الخنيزي، سيد علي العوامي، عدنان العوامي، عبدالوهاب حسن المهدي، حمد الجاسر، محمد حسن عواد، طاهر زمخشري، عبدالله بن خميس،، محمد الطيار، عبد الكريم الجهيمان، حسين سرحان، وآخرين يصعب حصرهم.

كان شاعرنا متصلا بالتجمعات الثقافية في أكثر من مكان، كما كانت تربطه بالأميرين عبد الله الفيصل وخالد الفيصل علاقة صداقة قوية، الأمر الذي يفسر كون الأمير خالد الفيصل هو الذي تكفل بنفقات علاجه في لندن أواخر الستينات، رغم انتقال الشاعر إلى البحرين.

لقد مارس المهنة التي أحبها: الصحافة، وراح يشارك في الأنشطة الثقافية، وينضم للتجمعات الأدبية حيث قويت علاقته بالأديب المعروف الدكتور غازي القصيبي والشاعر الكبير إبراهيم العريّض والأديب أحمد محمد الخليفة.

وظل معلقا بوطنه وفي نفس الوقت كان يعمل بالبحرين، وفي عام 1961 حصلت البحرين على استقلالها، وبذا خرج الانجليز منها، فكتب قصيدة حول هذا الموقف أذاعتها محطة “البي. بي. سي” الناطقة بالعربية كاملة، واستتبع ذلك إجراء الإذاعة حوارا مطولا ما زال موثقا في أرشيف الإذاعة البريطانية.

كان الشاعر الخزام رحالة بمعنى الكلمة، ولعل هذا هو السبب في أنه لم يكتب مذكراته كمعظم أبناء جيله. تلقى عباس الخزام تعليما في المملكة ثم في لبنان بعدها انتقل إلى الهند وهناك واصل دراسته في القانون، ثم قفل عائدا إلى البحرين التي وجد فيها الأصدقاء الذين قدروا تجربته الشعرية.

ومن مظاهر اعتزاز مثقفي البحرين به اختيار قصيدة له هي « درة الخليج »، وإدراجها في مناهج المحفوظات للمرحلة الإعدادية، وقد اتصل بشعرائها مثل قاسم حداد وعلي الشرقاوي، والناقد الدكتور علوي الهاشمي الذي تحدث عنه في كتابه “ما قالته النخلة إلى البحر”، كذلك ذكره الكاتب عبد الله الشبّاط في كتابه “أدباء من الخليج العربي”، بالإشارة التالية: “ لقد عرفت الأستاذ عباس مهدي خزام خلال الفترة 1375 - 1385هـ، فكان الأديب الذي لا يمل ولا يكل من مناقشة القضايا الأدبية.. ولا من كتابة الدراسات الفكرية.. وعرفته صحافياً نشطا له دور بارز في أكثر من صحيفة”.

يعتزشاعرنا بتجربته الشعرية ويرى أنها نتجت عن ثقافة عريقة مع لمحة من التجديد، وهو يرفض الأغراض الشعرية التقليدية ما لم تقم على أساس الصدق والشفافية واحترام ذات الشاعر ورفعة شأنه.

وقد كتب في الإصدارات البحرينية ومنها « مواقف » وفيها يبث بعض آرائه حول النص الشعري، يقول: “القصيدة التقليدية اليوم أصبحت لا مكان لها في عالمنا الثقافي المتطور ما لم تكن تلك القصيدة تتماشى مع تطورات العصر ومع أحداثه نافضة عنها غبار المديح والرثاء بجميع أشكاله لأن عصرنا يرفض مثل هذه القصائد التي هي بمثابة معاول هدم لكيان الثقافة العصرية المتحررة، ونحن لا ننادي بهدم كيان القصيدة القديم إلا أننا نطالب بتطويرها”.

في أمسية أقامها بأبي ظبي عام 1996م يقول: “إن تمجيد الأشخاص أصبح مرفوضاً كما أنه يحصر الطاقات الأدبية في فئة فقط، الأمر الذي من شأنه التسبب في نكسة كبيرة للشعر العربي”.

وهنا نورد عددا من النماذج الشعرية توثيقا لهذه النبذة المتواضعة عن الشاعر الراحل عباس خزام:

يـا مـن سكنتـم

يامن سكنْتُمْ في الفؤادِ طويلاَ *** جسمي كسَتْهُ الطارقاتُ ذُبُولاَ
والله ما هجعت عيوني بعدكم *** أبدا، ولا اتخذ الفؤاد خليلا 
وأخال أنفاس الزهور عبيركم *** سَحَرًا، إذا مرّ النسيم عليلا 
وأودّ دوما أن أكون بقربكم *** لأبلّ وجدًا كامناً وغليلا 
قاسيت بعدكمو فراقاً مؤلما *** حتى لقيت من الفراق نحولا 
وأسائل الآتين عن أخباركم *** فلعل فيهم آتيا ورسولا 
وأود لو أني نسيم عابر *** لأطوف سفحا نحوكم وسهولا 
وأود لو أني هزار طائر *** حتى أرتِّل حبكم ترتيلا 
هذي هي الذكرى تحرّق أضلعي *** ولأجلكم أجد العذاب جميلا 
وتثور أشجاني إذا حل المسا *** فظلامه يرخي عليّ سدولا 
وأجول بالطرف الكئيب لعلني *** أصطاد طرفا في المنام كحيلا 
وأرى خيالكمُو يطوف بمضجعي *** حُلْوا، فينعش قلبي المهزولا 
حمَّلتمو قلبي أفانين الجوى *** فحملت عبئا باهظاً وثقيلا 
أهديكمو رغم البِعاد تحية *** تأتي إليكم بكرة وأصيلا 

أيتهـا الطيـور

اصدحي معشرَ الطيور فإن الـ *** ـفجرَ قد لاح من زوايا الظَّلاَمِ 
وابعثي في القلوب نشوةَ سحرٍ *** من غناءٍ وروعة الأنغام 
كل قلبٍ من غير شدوك يُمسي *** موحشا بالشجون والآلام 
فارْوِ للكائنات أنشودة الحبْ *** ـبِ وترنيمة الهوى للأنام 
غردي فالورود تهتز والأز *** هار نشوانة وزهر الخزام 
تتثنى الأغصان تيها من الألـ *** ـحان فالجو عابق الأنسام 
ففؤادي لولا نشيدك يسري *** بين جنبيه كان بعض حُطام 
عندما يشرق الصباح أناجيك *** فيرقى الخيال للإلهام 
كلما اجتزت واديا سندسيا *** داعب القلب نضرة الأكمام 
فأرى للحياة معنى عظيماً *** في عيوني والكون فيض ابتسام 
ويفيض القريض كالنبع في رو *** حي فينصبُّ في القلوب الظوامي 
وتضوع الطيوب بين ضلوعي *** مثلما يأرج العبير الهامي 
فأحس الدنيا تصفق في رو *** حي وتِبْرَ الضحى يسير أمامي 
فاصدحي واملئي المسامع أنغا *** ماً وكوني بشائرا للسلام 

لـم تـزل عنـدي الحيـاة

عدت كالنسر كالسنا في الظلال *** لبلادي مُذَهَّب الآمال 
لم تزل عنديَ الحياة وحولي *** يشرق الفجر عاطر الأذيال 
وأنا الصامد الصبور تحديـ *** ـتُ بعزمي غوائل الآجال 
هكذا المرء لا تزعزعه الأحـ *** ـداثُ أو عاصف من الزلزال 
قد تحديت كل صعب وكافحـ *** ـتُ وناضلت فوق سُوح النضال 
وتحملت فاقة العيش إنسا *** نا شريفا على ثراء ومال 
هكذا يولد الكريم عزوفا ً *** عن حياة تضجّ بالأوحال 
تائها أضرب القفار ولا أد *** ري إلي أين ينتهي ترحالي 
ياصديقي أثرت كامن وجدي *** وأبنْت الصريح من أقوالي 
تترجى من السراب شرابا *** يوجد الماء في بطون الرمال 
لو أردتُ الثراء بالذل يوما *** لرأيت الثراء كالشلال 
خلق المرء كي يعيش عزيزا *** وأبيّا على مدى الأجيال 
هذه الأزمة التي حاصرتني *** وأرتني بالهمِّ دُهْم الليالي 
سوف أجتازها بكل صمود *** وستحظى إرادتي بالمنال 
كل شخص معرض للرزايا *** وأرى الناس كلَّهم لزوال 

 


جميع الحقوق محفوظة لجهينة الإخبارية
www.jhaina.net