آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 7:51 ص

الأولويات

الدكتور أحمد محمد اللويمي * جريدة اليوم

حديث الأولويات يطغى في الأزمات بتضخم المشاكل وتصاغر الحلول. الأولويات مفتاح للخروج من حياة الفوضى إلى قيم النظام. الأولويات هي الفعل المطلوب اداؤه لاعتماد ما بعده عليه وحف‍ظ ما قبله من الزوال. والأولويات بالتالي سلسلة من الأفعال المتصلة التي تعمل عمل البناء من الأركان للسقف. فلا اولويات في عالم الفوضى لانها تراكم عشوائي لا يقصد به انتاج عمل له ملامح.

إن الاولويات هي نتاج التخطيط فالفرد أو المجتمع لا يمكن أن يستثمر طاقاته أو ثرواته دون أن تكون له رؤية مستقبلية. أي أن الأولويات تفرض سلوكا محكما من الانضباط والالتزام بالتخطيط المتقن والاستثمار للزمن. وللاولويات ملامح بها يمكن تحديد طبيعة الالتزامات لترتيبها حسب أهميتها القصوى. من أهم ملامح الاولويات طبيعتها الآنية وشدة ارتباطها بالتوقيت فلا يمكن بعد تحديد الاولويات تأجيلها أو تعطيلها ومن ثم العودة اليها فذلك يؤدي لظهور اولويات جديدة خلقها الظرف الناتج من تأخير الاولويات المعطلة. كما أن تحديد الأولويات يخضع للقدرة الصارمة في تحديد طبيعة الاشياء وأهميتها وتدرجها تبعا لتأثير بعضها على الآخر. وبالتالي تصبح الاولويات باهتة لا تتجاوز لغة الشعار في مجتمع لا يمتلك الخضوع لحيوية المرحلة التي تتطلبها الأولويات. إن رسم الأولويات أمر هين لكن حساسية الشعور بالمرحلة الزمنية اللازمة للانتقال من مرحلة لاخرى عامل حاسم في انجاح تحقيق الاولويات وبناء على هذا التنظير يمكن النظر في تطبيق الاولويات عبر بعض الامثلة الحيوية على مستوى الفرد أو القضايا الاجتماعية الراهنة. من الأمور التي يعاني منها الفرد في المجتمع مسألة صناعة الاولويات في تنظيم الميزانية المنزلية. ان الشكوى المتزايدة في عدم القدرة على تلبية الاحتياجات الضرورية تخضع بشكل كبير لانعدام سلوك التخطيط وطغيان الارتجال في القرارات والوقوع ضحية الاغراءات التي تمارسها شركات التسويق. فخذ مثلا التزاحم في الانفاق لاسرة من خمسة افراد لشراء هاتف ذكي لكل منهم مع التغيير السنوي المستمر دون النظر الى ابتكار موارد لتمويل هذا البذخ. لاشك ان نفقات الاسرة اذا ما تم تحديد اولوياتها مثلا كامتلاك منزل تصبح عاملا محفزا للضغط على أفراد الأسرة لاعادة ترتيب سلوكها الاستهلاكي كالنظر الى مسألة الادخار عبر الزمن باعتباره عاملا حيويا في تحقيق اولوياتها الملحة. إن الانغمار في عالم الاستهلاك الترفي يقف وراء قضم اللقمة الاكبر لميزانية الاسرة اليوم. ولعل من القضايا التي ترتبط بمفهوم صناعة الاولويات هي مسألة قيادة المرأة للسيارة. إن هذه المسألة هي نتيجة غياب اولويات أدت لظهورها بشكل ملح. إن مسألة القيادة يمكن ان تناقش في دائرة ما يعرف بحقوق المرأة وبالتالي تصبح القيادة جزءا من كل وبعلاج الكل يعالج الجزء تبعا. ولكن المسألة الاساسية التي تدفع بقيادة السيارة للسطح هي غياب نظام مواصلات فاعل وسلس يمكن الجميع بضمنه المرأة من التنقل. ان غياب اولويات النقل العام وعدم الالتفات لحيوية هذه الاولوية القصوى في الماضي أفرز مسألة قيادة المرأة في ظل تصاعد اعداد العاملات والحاجة الماسة للتنقل. إن نظام المواصلات العام اذا ما تم النظر إليه بعين الضرورة القصوى سيجعل مسألة الحاجة لقيادة السيارة ثانويا للجميع وليس للمرأة فحسب، وهكذا فان أزمات الحاضر نتيجة غياب اولويات في الماضي وفوضى الأولويات في الحاضر لاشك هي نطف لازمات المستقبل.