آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

خواطر زائر للعتبات العالية

ليس بالسهل اليسير أن يدرك كنه ذلك العاشق الوله الذي يشد الرحال نحو العراق - وما أدراك ما العراق اليوم - شوقا ولهفا وعطشا وزحفا. أنها رحلة الباحث عن طلاسم الذات على أعتاب الحقائق الإلهية الكاملة والوجودات المباركة حيث امتزج الجزء بالكل وانتمى الفناء للبقاء. إنها رحلة العاشق المنجذب لجمال محبوبه وبهاء حضوره دون تردد أو تلكأ. إذا ما سألت زائر الحسين وقاصد المولى أمير المؤمنين ونازع النعل في واد طوى الجوادين والعسكريين ما جيء بك وأنت من الموت قاب قوسين لاجاب غير مباليا جمال الحبيب اشغلني وجلاله ابهرني. فهل عجبت ان ترى زائرا ذهب عطشانا للارتواء من يد العباس أن يرجع بمزيد من الصدى للقاء مجددا. ما هذا السفر وما هو الذي يجعل المسافر نحو الحبيب يهرول عطشانا ويزحف سكرانا. فما أن تلثم الشفاه الحبيب ويحتضن بقية الله بكامل وجوده إلا ويرى عطش اللقاء يزداد ودموع شوق اللقاء تتضاعف قبل الفراق. يا سادة الوجود وأرباب الحب والجمال والحقائق الغير المتناهية مهما بالغ الجاد فيكم طلبا في المعرفة ازداد جهلا ومهما جد الطالب تطلب الغور فيكم عمقا. نعم إنها رحلة العاشق اللهفان الذي اجتذبته أنوار جمال هذه الوجودات المباركة والحقائق الكاملة، لتستولي على قلبه ووجوده. فكيف لعمري، يحدوه شوق قبل البلوغ، لأنها رحلة حضور الوعي وحقيقة المعرفة وحرقة الانجذاب نحو الجمال قضّت مضجعه فطار نحو العراق لهفانا ولهاً.

الحضور المعنوي لأهل البيت وهزيمة الإرهاب:

يقع في مكان بلوغه يعني رحلة المخاطرة والعبور من ميدان القتل المحتمل الا انه يجذب وإليه يجتذب المحب لأنه عرف بحفظ زائريه وضمان الجوار للمحتمين بقبره، هو «سبع الدجيل» أبي جعفر محمد بن علي الهادي صلوات الله وسلامه عليه المدفون في صحراء العراق المتاخمة لسامراء. أضحى مأوى القلوب وحامي الملهوف فلا عجب ان تحتكم العشائر العراقية عنده وقد عرف أن من أراد الباطل بجواره مزهوق. فمن هنا وكامل ارض العراق المحتضنة لهذا الوجود المبارك لأهل البيت تسري روحا من الطمأنينة والسكينة في نفس العراقيين الذي يريد الإرهاب لهم ان لا يعيشوا الحياة بل ارض فيها جهنم من الموت والبؤس والجوع والنزاع. سرعان ما يجذب انتباهك وانت تمعن النظر في المتحولقين حول العتبات المقدسة تلك الروح المفعمة بحب الحياة بالاندفاع نحو التعبير عن كامل التفاعل مع قيم الحضور والبقاء. وهكذا تكتشف دون ان يتطلب الكثير من البرهنة والاستدلال ان الارهاب في العراق اندحر وتقوقع في جحوره. ان هذا الانتصار الوطني العراقي في التغلب على هذا الخطر الاسود الذي اراد للعراق ان تكون ارض الموت اصبح الموت من نصيبه. ان هذا الوجود المعنوي المبارك على فضاء العراق والذي يسري في نفوس اهل الولاء والمحبة الزاحفين لهم في كل ملمة المتمسكين بحبهم فرحا وترحا اصبح ذلك الاكسير السري الذي يبطل اثار الارهاب وغاياته البغيضة. ان الحب والانتماء والشغف والذوبان في هذا الوجود المبارك جعل من العراقي يتخطى حواجز الخوف ليقلبها تحد بالحضور المنقطع النظير في اروقة العتبات المقدسة للائمة الاطهار ويهرول اليهم عابثا مستهترا بخطاب التخويف والتهويل. ان هذا العشق الوجداني اللامحدود وهذا الانتماء العاطفي البريء العميق لهذه الانوار المباركة هي التي كانت بلسما بها لثم جراح ذلك الجلاد الذي اراد له الخنوع والضيم والاضمحلال لينبعث بعد سقوطه بركانا هادرا وتصبح دروعا اليوم يتدرع بها المواطن المحب ليحضر في ميدان الحياة ويتعاطى كافة عناصرها الفاعلة مهما بلغ القاتل المجرم اجتهادا في خنقها. وهكذا يصبح حب الولاء ولهفة اللقاء وجذب الانوار اهم عناصر اللحمة الوطنية العراقية. هذا النسيج المعنوي اليوم يعد من اهم الروابط لمكونات العراق، ببركات وآثار هذه الحقائق المعنوية، أئمة اهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم. لعل من أهم ما يمكن التأكيد عليه هو ان الزائر للعتبات المقدسة لابد ان ينظر بأبعد وأعمق من تجمع الجماهير حول العتبات المقدسة المختلفة وانما هو اصرار من التحد خلق ونسج حب الوطن والمواطن ببركات الحضور المعنوي لأئمة أهل البيت .

طغيان الرثاء في العتبات المقدسة:

سرعان ما يكتشف الزائر للعتبات المقدسة بشكل عام والعتبتين الحسينية والعباسية المباركتين بشكل خاص طغيان الظاهرة الرثائية انها ليست خاصة بمنطقتنا بل أضحت سمة المجتمع الشيعي. فما يفتأ المداحون اغتنام الفرص لأستدرار دموع الزوار بفنون من الاطوار والاشعار الرثائية. ولشدة استفحال هذه الظاهرة الرثائية بلغ الامر ان تشاهد وقد تحلق الزوار حول احد المعممين الذي يبذل بكد واجتهاد في استدرار دموعهم بالقصص المأساوية لكربلاء. ويقابل هذا الطوفان الرثائي الذي يشكل الوجبة الثقافية الرئيسة والوحيدة لزوار العتبات المقدسة فقد شديد في شكل التوجيهات الفكرية والثقافية وغياب تام لاستحضار المشروع الحضاري والثقافي لأهل البيت الذي كان وراء ما تعرضوا له من محاولات استئصال لوجودهم المبارك من قبل السلطات الطاغية آنذاك. فعمل المداح في رواج وفعل المداحين الرثائين يزداد رونقا حدا يجذب من يفترض في انهم امضوا سنوات طوال من العمر في التفقه لعلوم أهل البيت ومعارفهم للقيادة الفكرية والثقافية للمجتمع وهدايته نحو بناء قواعد الوعي بمشروع اهل البيت الحضاري. ولعل من أهم الجوانب السلبية التي قلبت ميزان الارتباط بنهضة الامام الحسين الجامعة للعاطفة والوعي الفكري هو ان تصبح هذه القضية اليوم ذات سمة رثائية بكائية طاغية. الفارق البين في بكائية المداحين للطبقات الشعبية العامة والدعوة الواردة في حث أهل البيت على إذكاء العاطفة لقضية الامام الحسين هو استفحال آلية إبكاء الناس كغاية وهدف كلي لينحصر البكاء على نتائج المعركة العسكرية التي فيها تعرض سيد الشهداء وابنائه واصحابه لأشد ألوان القتل والتمثيل. فالبكاء اليوم هو لمأساة الجروح وهول السبي وفضاضة العدو في التمثيل. وبهذا يبتكر المداح ألوان الفنون الرثائية لأيقاف الناس في فهم هذه القضية باستهلاك جل وقتهم عند هذا الحد، حد جراح الطعن ولوعة السبي. ان البكاء المستهدف الوارد في المأثور لأهل البيت أدواتي لا غائي فيه يتحرك لمعرفة الوجود المقدس للحسين وغاياته في هذه التضحية المنقطعة النظير ليتجاوز أدوات الحسين التي جعلته صلوات الله وسلامه عليه بطلب الاصلاح عبر التضحية بوجوده المبارك الذي عبرت به من عالم الفناء لعالم البقاء. فالهداية بمصباح الهدى ليست بكاءا على جراحه بل ادراكا لعمقها التي هي طريقا لمعرفة غاياته المعنوية ووجوده المبارك وهل يعبر السالك للحسين بعقله فحسب في ادراك وجوده المقدس كلا والف كلا بل معا. ببكاء يفتح اسرار القلب ومسالك الروح وتمعنا وتأملا وعرفانا يهدي العقل لأسرار حقيقة وجوده المقدس. ولعل عبثية البكاء على الجراح تتجلى واضحة عند تلك الشريحة التي تبالغ في البكاء عند الرثاء وسرعان ما ترجع لطبعها وطبيعتها السلوكية المعوجة فتطغى فيها كل طبائع الاستبداد والظلم حال تعاملها مع الآخرين. ان الامة المتخذة من البكاء آلة للغور في أعماق الحسين هي التي توفق للعبور لعالم الخالدين واما أمة تبكي جراح الحسين لا عجب ان يزدهر عندها المداحون.

فهل يصنع زوار العتبات العالية من رحيق بستان الحسين عسلا بمجرد البكاء والرثاء؟