آخر تحديث: 14 / 7 / 2020م - 9:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

التعددية سر التنوع والاختلاف

أثارت تلك المناظرة المنشورة في مجلة"المنطلق الجديد" بين الشيخ محسن كيدور والمفكر عبد الكريم سروش حول سر التنوع والاختلاف في التعددية كفكر ومنهج، اهتمامي البالغ منذ زمن بعيد، وشدني فكريا تلك الأسئلة الماهية التي طرحها سروش حول مدى إمكانية القبول بأصل التعدد كمنهج حاكم بين مختلف الأفكار والذهنيات المتنوعة، حيث أوضح: "أنه من السهل القول على أي طائفة بأنها الطائفة المُحقة، وأن كل أهل الأرض ضالون"، مشيرا إلى أن"هذا الرأي يمكن أن يكون رأي أتباع الطوائف والأديان الأخرى"، ثم يستطرد ليصل إلى أن كثرة الناس تبني قناعاتها انطلاقا من قواعد العِلَّة وليس الدليل، والعلة من وجهة نظره معنية بوجود الأشياء، وتتحكم في تغذيتها التربية المحيطة، والظروف الاجتماعية، والعوامل الوراثية، والمنافع، والجهل، وكل ما له علاقة بالظواهر الإنسانية، وبالتالي فهي غير معرفية وغير استدلالية، ولهذا فإن عامة الناس يجدون أنفسهم بحكم التغذية السالفة، ودون أدنى تفكير عقلي أو تحقيق فلسفي، معتقدين بصحة دين من الأديان أو مذهب من المذاهب، في حين ـ والحديث له ـ أن الدليل معنيٌّ بوجود الدعوى، وهو منهج الخواص من أهل العلم، الذين آمنوا استنادا إلى حُجة عقلية ومعرفة مُحققة؛

لكنه يتساءل أيضا: إذا كان ذلك صحيحا، فلماذا يبقى العلماء والمتكلمون الذين لم يتأثروا في قناعاتهم بالتغذية المحيطة، على مواقفهم المختلفة والمتعارضة، وما من أحد بالجملة من علماء الأقوام المختلفين على استعداد لأن يقبل ببطلان أدلته؟

ويطرح سروش لاستفساره طريقين للإجابة: أحدها أن نؤمن بأن ما نتصوره أدلة عقلية هي في واقعها أدلة مُصطنعة، وأفكار أيدلوجية، تنبثق أطرها من تلك التغذية البشرية، التي تتحكم فيها العواطف والمنفعة والجغرافيا والطبيعة الاجتماعية، فيتحجَّر العقل عن ممارسة دوره الطبيعي في التحقق والنقاش الموضوعي، ويُصبح رهين كل ذلك وحبيس ما يصدر عنه من عقائد لازمة للتفكير ومُحددة له؛ أو نؤمن بفكرة "تكافؤ الأدلة" وفقا لما طرحه الفيلسوف الأوربي كانط في مسائل الميتافيزياء؛

ويضيف سروش في معرض نقاشه جملة رائعة في مدلولها القيمي والأخلاقي حين يقول: "إن الله عز وجل لا يبحث عن الذرائع ليحشر الناس في جهنم، بل يبحث عن الذرائع ليدخلهم الجنة، فالله يهب الجنة بسبب وليس بثمن"؛

أمام هذه الجملة البسيطة الشفافة أتوقف لأتأمل عديد من آيات الذكر الحكيم، التي شدد الله فيها على حتمية التعدد وحاكميته في الفصل بين الناس يوم القيامة، كمثل قوله تعالى: ﴿ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ، وقوله: ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون ﴿ وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب .

ولا يقتصر الأمر على ذلك وحسب، بل إن الله في مواضع عدة قد قرر أهمية الحرية والاختيار كأصل إيماني كقوله مخاطبا نبيه: ﴿ ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴿ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين ﴿ وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر .

إنه العدل الرباني الذي خلق الله به الكون وفقا لقانون التعدد وجعل في ذلك سرَّه المكنون، فهل نحن متفكرون؟

كاتب سعودي وباحث في الشؤون التاريخية.