آخر تحديث: 14 / 7 / 2020م - 10:08 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإمام الرضا (ع) والتميز العلمي

رضي منصور العسيف *

عند تصفح سيرة الإمام الرضا نجد العديد من المواقف الجديرة بالتأمل والتدقيق لاستلهام الدروس والعبر منها.

ففي عصره كانت أحداث سياسية جديرة بالتوقف والتأمل فيها، وما الحرب التي اشتعلت بين الأمين والمأمون إلا واحدة من الأحداث التي تميز بها عصر الإمام .

وكذلك تولي الإمام زمام «ولاية العهد» بضغط من المأمون وما رافقها من تطورات على الساحة الإسلامية، إلا حادثة أخرى كان لها أثرها الكبير في الأمة.

وكذلك المواقف والأحداث التي ترافقت مع تولي الإمام منصب ولاية العهد، لهي مواقف تتطلب منا قراءة متأنية ودقيقة.

لا أريد التفصيل في هذا الجانب وإنما سأخصص هذه المقالة للحديث عن جانب مهم في حياة الإمام الرضا ألا وهو الجانب العلمي .

الإمام الرضا ... المرجعية العلمية.

إن " الشيء البارز في شخصية الإمام الرضا هو إحاطته التامة بجميع أنواع العلوم والمعارف، فقد كان بإجماع المؤرخين والرواة اعلم أهل زمانه، وأفضلهم وأدراهم بأحكام الدين، وعلوم الفلسفة والطب وغيرها من سائر العلوم، وقد تحدّث عبدالسلام الهروي عن سعة علومه، وكان مرافقاً له، يقول:

«ما رأيت اعلم من علي بن موسى الرضا، ما رآه عالم إلاّ شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له عدداً من علماء الأديان، وفقهاء الشريعة والمتكلمين، فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي منهم أحد إلاّ أقرّ له بالفضل، واقرّ له على نفسه بالقصور، ولقد سمعته يقول: كنت أجلس في «الروضة» والعلماء بالمدينة متوافرون فإذا عيّ الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلي بأجمعهم، وبعثوا إليّ المسألة فأجيب عنها..».

لقد كان الإمام أعلم أهل زمانه، كما كان المرجع الأعلى في العالم الإسلامي الذي يرجع إليه العلماء والفقهاء فيما خفي عليهم من أحكام الشريعة، والفروع الفقهيّة.

قال إبراهيم بن العباس: «ما رأيت الرضا يسأل عن شيء قط إلاّ علم، ولا رأيت اعلم منه بما كان في الزمان الأول، إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شيء فيجيبه الجواب الشافي».

قال المأمون: «ما أعلم أحداً أفضل من هذا الرجل ـ يعني الإمام الرضا ـ على وجه الأرض...».

معرفته بجميع اللغات:

وظاهرة أخرى من علومه هي: معرفته التامة، وإحاطته الشاملة بجميع اللغات، قال أبو إسماعيل السندي: «سمعت بالهند أن لله في العرب حجة، فخرجت في طلبه، فدُلِلت على الرضا فقصدته وأنا لا أحسن العربية، فسلّمت عليه بالسندية، فرد عليَّ بلغتي، فجعلت اكلمه بالسندية، وهو يرد عليّ بها، وقلت له: إني سمعت إن لله حجة في العرب، فخرجت في طلبه، فقال : أنا هو، ثم قال لي: سل عما أردته فسألته عن مسائل فأجابني عنها بلغتي» [1] .

وقد أكد هذه الظاهرة الكثيرون ممن اتصلوا بالإمام، يقول أبو الصلت الهروي: كان الرضا يكلم الناس بلغاتهم، فقلت له: في ذلك فقال:

يا أبا الصلت أنا حجة الله على خلقه، وما كان الله ليتخذ حجة على قوم، وهو لا يعرف لغاتهم. أومأ بلغك قول أمير المؤمنين : أوتينا فصل الخطاب، وهل هو إلاّ معرفته اللغات.

وروى ياسر الخادم فقال: كان لأبي الحسن في البيت صقالبة، وروم، وكان أبو الحسن قريباً منهم فسمعهم يتكلمون بالصقلبية والرومية، ويقولون: إنا كنا نفصد كل سنة في بلادنا، ولا نفصد ها هنا، ولمّا كان من الغد بعث إليهم من يقصدهم.

دروس وعبر

من خلال هاتين الحادثتين نود أن نذكر بعض النقاط التي تهمنا وتسهم في بناء شخصياتنا بناءاً علمياً مميزاً.

المتميزون علمياً

لابد من السعي لبناء أجيال تتميز بهذه الميزة «التميز العلمي»، وترسيخ ثقافة التميز في الوسط التربوي والعلمي، من خلال تبني مؤسسات تهتم بهذا الجانب، وبث روح التنافس الإيجابي، وروح الابتكار، وتوجيه الطاقات نحو التميز العلمي في المجالات التي تخدم المجتمع.

تعلم اللغات الأجنبية

إن تعلم اللغات الأجنبية، فضلا عن اللغة الرسمية، يعتبر أمرا ضروريا لا بد منه، ولهذا تكثر المعاهد ومراكز تعلم اللغات الأجنبية، بل توجد كليات وجامعية حكومية متخصصة في اللغات، فضلا عن الكليات الأهلية، والمعاهد الأجنبية التي تستثمر في هذا الجانب، كما أن الحاجة لتلك اللغات تتنامى يوما بعد يوم في ظل العولمة وعصر الاتصالات والمعلومات والإنترنت الذي زاد من أهمية اللغات الأجنبية بحكم أن المواقع والمعلومات المهمة تعنى بها جيدا.

البحث عن التخصصات النوعية

في عصر التطور والتكنولوجيا، وثورة المعلومات، ينبغي على طلاب الجامعات عدم البحث عن التخصصات السهلة، بل يجب البحث عن التخصصات النادرة التي تتماشى مع متطلبات العصر.

كما أن سوق العمل يفرض التوجه للتخصصات النادرة، لذا لابد من البحث ودراسة متطلبات العصر دراسة دقيقة، ومن ثم اختيار التخصص المناسب الذي يلبي طموح الفرد.

التعليم المستمر

وأخيراً، فإننا مهما بلغنا مرتبة من العلم إلا أنه يبقى علماً محدوداً، يقول تعالى: «وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» ويقول «وقل رب زدني علماً» وهذا يعمي أنه ينبغي علينا أن نكون في عملية مستمرة من التعلم، من خلال عدة وسائل كالقراءة والمطالعة المستمرة، حضور الدورات العلمية، تعلم العلوم الحديثة، وغيرها.

و لا ننس أن الوقوف عند حد معين من العلم يُعد «جهلاً» في هذا العصر المتسارع في التطورات العلمية والاكتشافات المذهلة.

[1]  أعلام الهداية، الإمام علي بن موسى الرضا ، ص 31، الطبعة الأول 1426هـ 2005م، دار الأميرة، بيروت، لبنان
كاتب وأخصائي تغذية- القطيف