آخر تحديث: 10 / 7 / 2020م - 3:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

الشيخ المرهون... داعية للدين والمعرفة «1 - 2»

يتبوأ العلامة الحجة الشيخ علي المرهون، مكانة أثيرة في نفوس القطيفيين لاسيما الشرائح الشعبية منها، لأنه رائد النهضة العلمية والأدبية، وأحد أركان الإصلاح الإسلامي ودعاته في العصر الحديث، علامة فحل وطود شامخ وعلم خفاق، عالم عصره وسيد مصره.

لقد كان في الطبقة الأولى من هؤلاء المبدعين، فضلاً عن ذلك فهو شخصية فذة لها مكانتها المرموقة في شتى ضروب الأدب والمعرفة والتراث. فلا غرو إذا أتينا بمعلومات تسلّط الضوء على جانب مهم من حياته واهتماماته العلمية التي كرّسها من أجل العلم والأدب والمعرفة وشعائر الدين، وما قدمه من خدمات جليلة للعلم وللتراث العربي والإسلامي سواء كانت كتباً أو مقدمات، أو تقاريض أو غير ذلك، تعتبر من أهم وأوثق المصادر في هذا المجال. وبالرغم من تجاوزه التسعين عاماً، فإنه ظل محباً للعلم وذويه، يقوم بعمله اليومي المعتاد كإمام وخطيب جامع. فاق الشيخ علي، في العربية وعلوم الأدب ومعرفة تاريخ العرب، وجمع إلى الاستيعاب الجامع والتطبيق الجلد الصبور، عمق التفكير واستقلاله، وامتاز بحرارة الإيمان والزهد وعزة النفس وسمو الذات، فكان فقيهاً عالماً وأديباً وشاعراً إسلاميا ومؤرخاً ومحاضراً تتجلى فيه قيم الإنسانية والإيمان على حدٍ سواء.

عرفتُ الشيخ علي المرهون، منذ أربعة عقود ونيّف، وذلك من خلال كتابه «شعراء القطيف»، الذي أصدره في جزءين الأول تناول فيه سير الشعراء الماضين، وطبع في مطبعة النجف سنة 1385هـ، والجزء الثاني تناول فيه الشعراء المعاصرين، ثم أتى على ترجمة كل شاعر قطيفي، واستشهد بنماذج من شعره في الإمام الحسين وأهل بيته الأطهار، دون إيراد نماذج في الفنون الشعرية الأخرى كالوصف والغزل والرثاء.

وهناك مسألة على جانب من الأهمية هي أنني قرأت الجزأين من هذا الكتاب في حينه، وظهر لي أن المؤلف الفاضل لم يلم بتراجم شعراء القطيف الآخرين الماماً كافياً، فاقتصر على من عرف منهم أو المشهورين فقط، علماً أن القطيف أنجب كوكبة لامعة من الشعراء المتألقين الذين يُشار إليهم بالبنان، وقد يكون للمؤلف العذر أنّ في نيته إصدار أجزاء أخرى من هذه الموسوعة، علاوة على تآليفه الأخرى التي أغنت المكتبة العربية.

للعلامة الشيخ علي المرهون، حضور متميز في معظم الندوات العلمية، والمجالس الدينية والثقافية التي تعقد في القطيف حرسها الله، وأدام على أهلها نضرة النعيم، فهو لم يترك باباً من أبواب الثقافة إلا وطرقه، وعُرف بنهمه في طلب العلم وانكبابه على مطالعة الكتب القديمة والحديثة، وشغل الناس والمهتمين ببراعة أسلوبه الخطابي وأفكاره النيرة، فخدم بذلك الدين الحنيف بتلك الخطب والدعوة إلى نشر العقيدة، وكل هذه الأعمال دليل على نياته ومبادئه.

اشتهر عن علامة القطيف الراحل حرصه الشديد على تشجيع المواهب الناشئة التي يتوسم في نتاج أصحابها وعداً بعطاء قيم، وإبداع فكري متميز أصيل لا يشوبه تكلف ولا افتعال.

ويسرني أن أعلن بلا مواربة، أن الشيخ علي المرهون سيظل الفارس السباق في الميدان الثقافي القطيفي على مدى أجيال، فقد أقام قواعد الأخوة الإسلامية على أساس متين، وأدخل النور على ملايين العقول بما أذاعه من أخبار، ورسائل وكتب ومدونات تاريخية، فوقعت من نفوس القراء موقع الاستحسان الكثير لسلاستها وتضمنها الحكم الرائعة والشعر المستملح بعبارات سهلة خالية من التعقيد والشوائب، وجاءت زبدة منتقاة، وذخيرة ممتعة.

ومن خصائص الرجل، انه كان على جانب عظيم من الذكاء، فهو الخطيب الذائع الصيت الذلق اللسان، استغل خطبه في مقاومة الغزو الفكري وذلك من خلال إدخاله الشواهد الأدبية في المنبر والمحاضرات، وله ديوان شعر كبير يضم مجموعة من القصائد في الحكمة والموعظة والرثاء والمديح وما إلى ذلك من الأغراض الشعرية الأخرى.

العراق، كربلاء المقدسة