آخر تحديث: 22 / 1 / 2020م - 6:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

مظلة إنسانية

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

لم يجد شاب سعودي أُرسل للعاصمة اليابانية طوكيو للدراسة، ملجأ من تساقط الثلوج في ليلة شتائية باردة وماطرة، سوى مظلة صغيرة تحتمي تحتها عجوز يابانية، فقد جذبته هذه المرأة نحوها ليحتمي معها من زخات الثلوج التي غمرت المكان.. وشيئا فشيئا راحت تسحب غطاء من النايلون زودت به سترتها لكي تغطي رأسها القصير الأبيض.. ثم تدفع المظلة نحو الشاب الغريب الذي بدا مرتجفا بعد أن فاجأه شتاء طوكيو القارس.

يقول: «أصبحت السيدة خارج المظلة تماما.. وكلما حاولت دفعها نحوها أبت.. وتعللت أنها تحتمي بقطعة من النايلون الشفاف.. وعند مفترق الطريق أصرت على أن تمضي لسبيلها»، مبقية المظلة لهذا الغريب.

يضيف: «راقبتُ السيدة الطاعنة في السن تنسل رويدا رويدا تحت الثلوج حتى اختفت، ولم تلتفت إلى الوراء..! لقد هزني الموقفُ من الأعماق».

هذا صحيح..! فهذا الموقف وعشرات المواقف الأخرى التي يكتشفها شبابُنا الذين أتيح لهم العيش في الخارج للدراسة أو العمل، سبّب لهم ما يشبه الصدمة، وكأنهم اكتشفوا للتو أن البلاد التي طالما سمعوا «بعض» وعاظهم وكتبهم تصفها بأنها بلاد «الالحاد»، هي في الواقع ليست كذلك.

لقد أتيح لهذا الشاب أن يمتحن قناعاته، ليكتشف أن السلوك الإنساني الراقي لا تصنعه القطيعة، ولا تنتجه الكراهية.

لكن ماذا يفعل الشاب الذي جرى تلقينه بشكل مجحف؟ ماذا يفعل مع بعض من نصوص واتجاهات تدعوه حكما لمخاصمة الناس بحجة كونهم مختلفين معه في الدين، وبغضهم والتبرؤ منهم، بل والتعدي عليهم، ومناوأتهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا..؟

كيف ينسجم كل هذا الشحن المؤدلج بالكراهية، مع سماحة الدين الذي هو في جوهره وحقيقته مع السلوك الراقي المهذب مع الناس ويميل للرحمة ويغلب الإحسان إليهم.

الواعظ الذي ينتفض غضبا، وهو يلوح بيديه تحريضا على القطيعة، لا يرى أن ذلك لا ينسجم جوهر الدين ولا يتفق مع روح نهجه القويم..؟

الحديث هنا ليس وعظا أخلاقيا.. لأن هذا السلوك النافر العدواني أصبح يمس جوهر حياتنا، ويختطف صورتنا، ويفسد معيشتنا، ويساهم في إنتاج التشدد والتطرف جيلا بعد جيل.. فكيف يحث هذا، ونحن أصحاب هذا الدين الذي هو أعظم الأديان وأجلها؟!

هناك من يروق له صناعة الكراهية باسم الدين، لأنها تضمن له محاربين أشداء يمتطي رقابهم للوصول إلى مآربه.

ورحم الله أبا العلاء المعري حين يقول في تعريف الخير:

وإنما هو ترك الشرّ مُطَّرَحًا

ونفضك الصدرَ من غِلٍّ ومن حَسَدِ

ما دامت الوحشُ والأنعامُ خائفةً

فَرْسًا، فما صحّ أمر النُّسك للأسَدِ!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أبو محمد
[ القطيف ]: 6 / 9 / 2014م - 10:30 ص
هذا الكلام قبل عشرين سنة ممكن الآن بفضل تقنية الاتصالات ليس يخفى على أحد ما في العالم من عادات وقناعات ..!!
لا تلقين ولا هم يحزنون ...!!؟