آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

الهواية والسياسة

ثمة مساحة شاسعة متاحة دائماً للحديث عن السياسة وصروفها وتقلباتها وأحداثها؛ لكنما الحديث عن الهواية وعلاقتها بالسياسة يُعَدُ أمراً مستهجناً ومستغرباً ومهروب منه أيضاً؛ كيف لا ونحن نقرأ وضع العالم العربي المربك والمغبوش بسيل من العوامل المؤثرة التي جعلت الشعوب تنكأ جرحاً عند الإشارة إلى أمرٍ ثانوي لإتصاله بعصب رئيس يصل إلى رأس هرم السلطة مما حدا بالعامة غض الطرف بَغيَة لقمة المعيشة.

وبرأيي أن هنالك بعدان هامان ومؤثران بإجتماعهما أكثر ما أصطفيه من جملة العوامل المؤثرة على الهواية ألا وهما:

1. الإرتياع من السلطة المستبدة

2. غياب النظام والتشريع القانوني

وتحقق المخافة من السلطة يؤد الإبداع ويُشل أي حراك فكري للمطالبة بإنشاء أو تطوير هواية ما أو أمر آخر، ويمنع دفع عجلة التنمية الإجتماعية والثقافية والإقتصادية نحو مقام المجتمعات المتقدمة، ولعل وجود النية الحقيقية للساسة للبناء والتقدم والمنافسة أسهم بكل يقين من تمكين ونفاذ ضوء الإبداع حتى وإن وجد واحد فقط من تلك العوامل؛ إذ ليس لدي المُخَيّلَة الكافي لتصور الحقبة الستالينية للإتحاد السوفيتي عموماً سوى أن من أشد وأفتك القوى المركزية - الشمولية - السلطوية الحاكمة التي عرفها التاريخ الحديث، ورغم ذلك كانت النية الحقيقية لرعاية الهواية والموهبة كحاضنة إبداع حاضرة بالفعل والقوة، وقد يتجلى ذلك في أمثلة عدة لكن أبرزها وأكثرها تأثيراً عليً ذهولاً منذ أمدٍ بعيد هو احتضان ورعاية وتمكين ”سيرجي كوريليف“ الملقب بالمهندس الأول والذي شكل سراً من أسرار الدولة حينها وذلك جراء سبقها وتقدمها في سبر البشر للفضاء؛ الذي في البدأ كانت هوايته هو صنع الطائرات الورقية خلال طفولته المبكرة في مدينة ”أوديسا“ الأوكرانية وممارسة ذلك على سواحلها؛ ثم أستمر حلم التحليق ورافقه كنموه وتقدم عمره ثم تطور ذلك إلى الرغبة في الإنطلاق أكثر عبر تجربة صناعة صاروخ صغير مع مجموعة من الفتية بواسطة الألعاب النارية بوصفه وقوداً لتجربتهم؛ رغم أن التجربة لم يكتب لها النجاح تماماً إلا إن الدافعية للإستمرار قاده لدراسة الطيران بعد إنتقاله لموسكو؛ وحينها تميز وبدأ مرحلة قاتمة من حياته وكان محط أعين الإستخبارات الروسية ”KGB“ إلى أن سُجن في أعتى السجون السيبرية؛ وبوصفه مصمم طيران أطلق سراحه ليُجَند لقيادة برنامج الفضاء الروسي والذي نجح بتحقيق الحلم الروسي والفخر القومي إلى هذا اليوم من خلال ”سبوتنيك“ وبرنامج ”فوستوك“ الشهيرين؛ إذ كانت من سمات وإمكانيات هذا المبدع شمولية علمه وإلمامه ودرايته بالأمور الفنية التقنية والميكانيكية الصغيرة إلى أكثر التفاصيل المتناهية الدقة علمياً وفنياً؛ حيث يُرجع له في جميع التفاصيل لدى لُقب ”بالمهندس الأول“ الأسطورة الذي بدأ ”بهواية“ وبات قابعاً في الظل والسرية، والجدير بالذكر أن ”يوري قاقارين“ الذي ذاع صيته وسُلطت الأضواء عليه كان هو من أختاره وأصرّ عليه؛ وعند زيارتي لمدينة موسكو عام 2000م هالني نصب ”يوري قاقارين“ المهيب بوصفه رمزاً قومياً ووطنياً بينما نزر يسير جداً من عامة الناس من يعرف ”كوريليف“ صانع مجد أمتهم!

أما في أوروبا فتشجيع الهواية بنظامها وتشريعاتها القانونية يسرت استحداث هواية جديدة وصنفت بوصفها فناً بعدما كانت تمارس الشوارع وجميع الأمكنة دون ضابطة ومعايير وهي ”الباركور“ والتي برزت في فرنسا وهي مزيج من عدة رياضات وتعتمدُ على الكفاءة والسرعة وتجاوز وتخطي العقبات وتسيطر عليها سمة ”الفرار“؛ ويُلمس أثر التنظيم والتشريع في المقبولية التي حظيت بها من المجتمع الغربي وسعة الشعبية التي احتوتها بإنتشارها.

ومن المؤسف هنا في الشرق وتحديداً في منطقة الخليج تتفاوت الأنظمة وتتباين بشكل كبير فيما بينها وبين العالم الغربي فيما يتعلق ”بالهوايات“؛ ففي المملكة العربية السعودية هنالك ظاهرة ”التفحيط“ مثلاً - هواية كما يعدها روادها - بالسيارات ومهاراتها وسباقاتها؛ حدثٌ أَمتدَ لثلاثة عقود تجري أحداثها في الشوارع وبين الأحياء والمناطق السكنية؛ ورغم خروجهم عن النسق وطريقة الحياة المجانية ينبغي تقنين ذلك بكل سهولة بإنشاء مضمار لهم مجهز بقسمي الإسعاف والدفاع المدني ومدرجات تضمن سلامة الجمهور وأمنهم.

وتطول القائمة في الهويات والمناشط المناطة في عنق التشريع والتنظيم فعلى المستوى الثقافي تجد أن الدول المتقدمة تجعل جمعيات الثقافة والفنون منشأة جغرافياً بين الأحياء وقريبة من الأهالي وحولها لا نائية متطرفة، فالبرغم من تلك الإمكانات العتيدة والثروة النفطية فهي ليست بحجم الأفكار والإنجازات المأمولة والتي تقارع بها الدول المتقدمة وكما يشير إلى ذلك المفكر الإسلامي مالك بن نبي إذ ”لا يقاس غنى المجتمع بكمية ما يملك من أشياء، بل بمقدار ما فيه من أفكار“

ونقول إن وجدت الأفكار الكثيرة فهي بحاجة ماسة إلى التنمية على الصعيد السياسي؛ فما هو مفهوم التنمية السياسية؟

يعرفها ”أورجنسكي“: ”إنها زيادة الكفاءة الحكومية على إستخدام الموارد الإنسانية“

ويعرفها ”ألفرد ديامانت“: ”أنها تلك العملية التي يمكن للنسق السياسي أن يحرز من خلالها مقدرة متزايدة على دعم أنماط جديدة من الأهداف وأن يمارس هذه العملية بشكل ناجح“

أما ”عبد الهادي حسن الولي“ فيعرفها بِ ”عملية تهدف إلى تطبيق مدخل أو منظورات التنمية الإجتماعية على الجانب السياسي“.

وهذه التنمية السياسية لن تتحقق إلا بشرطين أساسيين كما يذكر ذلك الدكتور عطية خليل عطية في كتابة ”التربية والتنمية في الوطن العربي“؛ هما:

1. " إزالة العوائق التي تمنع انبثاق الإمكانات العربية الذاتية والكامنة في الوطن العربي.

2. توفير التسهيلات التي تساعد في نمو الإمكانات العربية ".