آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

الخيال التاريخي الغائب

حسين إسماعيل *

في زيارتي الأخيرة لإحدى المكتبات المحلية، تعمّدت التعريج على قسم كتب التاريخ للاطلاع على بعض عناوين الكتب المندرجة تحت ذلك القسم. ولا أبرّئ نفسي إذ أقول أن فرضيتي الخاصة بكون عناوين الكتب انعكاساً للثقافة التاريخية لمجتمعنا كانت دافعي الرئيسي للقيام بتلك الزيارة، وقد وجدتُ ضالتي بدون عناء؛ فالكتب السردية - التقريرية طغت على غيرها من الكتب التحليلية والمقارنة بلا منافسة تذكر. وأقول أن أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك - بالإضافة للمفاهيم المغلوطة عن التاريخ - هو غياب الخيال التاريخي.

قبل أن أتطرق لمعنى الخيال التاريخي والمعضلة التي تواجهنا إزاء غيابه، أجد نفسي ملزماً بالإجابة على سؤال مهم: هل لقراءة التاريخ أهمية فعلية لحل أزماتنا اليوم؟

على أن الإجابة على هذا السؤال تستلزم أيضاً توضيح معنى“التاريخ”، فهنا أفرّق بين المفهوم المتداول المغلوط بكون التاريخ مقتصراً على مجموعة أحداثٍ وقعت في زمن ومكان معينين، وبين مفهوم التاريخ بصفته علم تغيّر المجتمعات الإنسانية. والتعريف الثاني مختصر لكون الموضوع المطروح غير معنيٍّ أساساً بتعريف التاريخ، وما استخدامي له إلّا لتوضيح أن عاملي العلاقة بين الأحداث الإنسانية والتغيّرات الناتجة عن تلك الأحداث من أهم ما يميّز أي مفهوم سليم للتاريخ عن الترف الفكري.

يبدو الجواب على السؤال المطروح أكثر وضوحاً الآن؛ فالأزمات التي نواجهها اليوم نشأت في ظروف معينة بالأمس، ولأن التاريخ معنيٌّ في المقام الأول بتقديم نماذج تحليلية وتفسيرية للوقائع والظواهر وتطورها، فلا مناص من الاعتماد عليه في محاولة تغيير مخرجات تلك الوقائع أو الظواهر. بعبارة أخرى، فالقدرة على قراءة نشأة ظاهرة معينة تاريخياً يعني الإلمام بتبعاتها على مدى الزمان، وهذا يعني بالضرورة قراءة واقعية أكثر لتلك الظاهرة، وما عداها لن يكون سوى محاولةً قاصرة للتحليل. فنعم؛ قراءة التاريخ ليست فقط مهمة لحل الأزمات، بل الوسيلة الوحيدة لذلك.

ولأن التاريخ طبعاً لا يُقاس في المختبرات أو تلاحظ ظواهره بوضوحٍ مثل العلوم الطبيعية، فنحن نحتاج إلى مِلكةٍ خاصة: الخيال التاريخي. الخيال التاريخي - ببساطة - هو القدرة على الإدراك، القدرة على التجرد من الذات أثناء قراءة التاريخ، وهو القدرة على صياغة الأسئلة الصحيحة عما يقع بين أيدينا من أدلة وقرنها بالصورة الكبرى للعالم. الخيال التاريخي هو رؤية الماضي كعالمٍ كاملٍ متصلٍ بعيون الذين عاشوا فيه دون إصدار الأحكام المعيارية.

ولكن وللأسف الشديد، فغياب الخيال التاريخي عن قراءتنا يفرض نفسه بقوة في جميع الأفق المتعلقة بالعلم. ويظهر جليّاً في التعامل مع الماضي بنزعة خيالية تبالغ في وصف قدرات ودهاء بعض الشخصيات التاريخية وتسذيج أخرى بحيث يكون التعاطي معهم مجرداً عن كونهم بشراً كما نحن بشر. ويظهر غياب الخيال أيضاً في الاستحضار المغلوط للمخزونين الفكري واللغوي أثناء مطالعة وقائع التاريخ، مما يعني الحكم على الماضي بما ليس فيه وتحميله أكثر مما يحتمل، وهذا بالضرورة يؤدي إلى مغالطات أخرى لا يسع المجال لذكرها. ولعل الأسوأ من ذلك كله - جراء غياب المخيلة - هو تحوّل التقسيم الأكاديمي للحقب التاريخية «والذي وضع لتسهيل دراستها» إلى تقسيم حقيقي يجعل الفرد يتعاطى مع كل فترة بمعزل عن الأخريات، وهذا لا ينتج سوى قراءات سطحية.

فعلى سبيل المثال، القارئ الذي لا يمتلك مخيّلة تاريخية سيطّلع على دولة الفرس والروم وقبائل الجزيرة العربية دون أن يدرك بالضرورة أنهم كانوا يتعاطون مع بعضهم كما تفعل الدول اليوم؛ فالأنشطة الاقتصادية والحروب السياسية واستغلال الدين من أجل تبرير محاولات فرض السيطرة كانت جارية على قدم وساق. والقارئ الذي لا يمتلك مخيّلة أيضاً سيقرأ أن الموالي كانوا من أشد المناهضين للدولة الأموية دون أن يطرح الأسئلة عن أسباب ذلك اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وسيكتفي بالتفسير القائل أنهم كانوا“مواطني درجة ثانية”لأنهم دخلوا في الإسلام لاحقاً. والقارئ نفسه لن يتمكن من إدراك أثر الصراعات السياسية بين القبائل والدول على عملية تدوين الحديث، ولذا - بالضرورة - لن يكون مدركاً لانتهاج اختلاق الأحاديث ووضع أسانيد مزيفة لها وأهمية ذلك مثلاً في شرعنة حكم دولة ثيوقراطية كالدولة العباسية.

لغياب الخيال التاريخي عواقب وخيمة مرتبطة بالتفاسير السطحية والساذجة للوقائع اليوم. فالذي يقرأ التاريخ دون أن يراعي في الواقع تصادم العوامل الحياتية - كما تتصادم اليوم.

سينتهي به الأمر غالباً لاستنتاجات بسيطة محصورة بالدين أو الاقتصاد أو السياسة دون أن تتمازج لديه. ونحن إذا ما أردنا بالفعل أن نغيّر أو نصلح من واقعنا، فلا بد من الإقرار بضعف المخيلة التاريخية لدينا والعمل على توسيعها قبل أن نشاهد نتائجنا. وأختم بمقولة للبروفسورة في جامعة شيكاغو «حالياً» أدا بالمر في ختام أحد صفوفها:

ولا أتمنى في ختام السنة الدراسية إلا أن تكونوا قد أدركتم خلال الأسابيع الماضية واستوعبتم أننا درسنا بشراً مثلنا عاشوا في أزمان وظروف مختلفة، ولا يهمني سوى أن تكونوا قادرين على أن فهم ذلك هو المدخل للفهم الحقيقي للتاريخ.