آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

أين صوت النزاهة؟

شاكر أحمد تريك

أين صوت النزاهة والإستقامة والعدالة؟ أين الضمير العملاق الذي لا يعرف كائنًا مَنْ كان؟ أين القيم الصادقة والشمائل الشامخة التَّي لا تعرف الخضوع والخنوع والمهادنة مَعَ الفاسدين؟ أين الحقيقة الساطعة كالشمس التَّي لا يمكن لظلام أَنْ يطمس نورها ويحجب توهجها؟ أين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» والجعجعة التَّي صاحبت إنشاءَها والتَّي لم نَرَ منها طحنًا؟

بات الجميع يعترف أَنَّ هنالك فساد ينخر في معظم مؤسسات ووزارات الدولة، وبطالة واسعة وفقر مدقع، بالإضافة إلى عدم وجود بنية تحتية ولو لتصريف قطرات مياه الأمطار البسيطة التَّي كثيرًا ما تسببت في السنوات الآخيرة بقتل العشرات مِنَ المواطنين البسطاء أو تدمير أملاكهم. وما حادثة ”علي منشو“، وابنه «رحمهما الله» اللذان لقيا مصرعهما يوم الخميس 15 من شهر ذي الحجة 1435 هـ، نتيجة سقوطهمها في «بالوعة صرف صحي» والتَّي عُرِفَتْ ب - حادثة شارع التحلية - وتملص أمانة مدينة جدة مِنْ دورها وواجبها وإخلاء مسئوليتها عَنِ الحادث إلا أكبر دليل على ذلك الفساد.

قال رسول الله ﷺ: ”كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته“، صحيح أَنَّ الحديث يعكس مفهوم المسؤولية الحقوقية لدينا كمسلمين، وهي قيام الفرد بما يجب عليه تجاه الآخرين تحت الرقابة الإلهية، لكن لو كانت تلك الرقابة كافية وتمثل صمام الأمان مِنْ حالات الإنحراف والمخالفة لدى المسؤولين لما رأينا هذا الكم الهائل مِنْ مظاهر الفساد المالي والإداري لديهم. ذلك يقودنا إلى الأهم مِنْ ذلك، ألا وهي المسؤولية الأخلاقية التَّي تعتبر مِنْ معالم إنسانية الإنسان وهي الأصل والأساس للمسؤولية الحقوقية، فما لم يشعر الإنسان بالمسؤولية الأخلاقية في وجدانه لأمكنه التملص مِنْ آداء مسؤولياته الأخرى بذرائع شتَّى.

لا شك أَنَّ الفساد مِنْ أهم الرزايا التَّي تثقل الدول الطموحة لتحقيق التقدم والتطور في مجال تحقيق الرفاهية للمواطنين ومنافسة الدول الأخرى في التقدم والتطور. وقد ابْتُلِيَتْ بلادنا بأنواع مِنَ الفساد المالي والإداري والذي أثَّر بدوره بشكل مباشر على كل المسارات التَّي وضعتها وتضعها الدولة مِنْ أجل التنمية والخطط الطموحة. فبعض المسؤولين يعتقدون واهمين أَنَّ تعيينهم تشريفًا لهم ولمنطقتهم أو أسرهم أو أقاربهم، لا تكليفًا لخدمة الوطن وأبناءه، فيختزلون الوطن في معارفهم وأبناء قبيلتهم، فأساءوا استخدام السلطة وخانوا الأمانة وقسَّموا أبناء الشعب بين أحباب وأصحاب وأقارب، أبناء قبيلة يتم تقريبهم وتمكينهم، وأجانب يتم تجاهلهم وتهميشهم حتَّى وإن خدموا الوطن ناشرين بذلك ثقافة القبيلة في ديوان الوزارة والإدارة. إِنَّ هؤلاء ومهما كانت مناصبهم، بحاجة إلى «نزاهة»، لمحاسبتهم وتقديمهم للعدالة، فقد أضروا بمصلحة الوطن، بل إن أضرارهم أكبر مِنْ فواجع الفيضانات والسيول والكوارث الطبيعية، فضحاياهم أكبر. السؤال لرئيس «نزاهة»: ألا يوجد لدينا ولو ”مسؤولًا“ واحدًا يستحق أَنْ يُشهَّر به علانية لسرقته أو لإهداره المال العام؟!

فلننظر ماذا يحدث فى الغرب فإذا كنا نعلم أَنّ حادث واحد أقل وطأة مِنْ أبسط الحوادث التَّي نراها أو نسمع عنها في صحفنا كفيل أَنْ تقدم حكومة إستقالتها بالكامل مع تقديم المقصرين للمحاكمة، بل نجد مَنْ يُقْدِم على الإنتحار كوزير يابانى أحسَّ بفشله فقاده ضميره المفرط إلى الإنتحار؟! أو نقرأ في إعلامهم عن قيام سيدة مِنَ الشرطة الألمانية بإنقاذ بطة وقعت فى بالوعة. تلك الصور - حقيقة - تصفعنا على وجهوهنا بشدة وتبين مدى المهانة التَّى نحظى بها، ولاعزاء لأي كرامة مذبوحة.

لقد تألم الناس كثيرًا لحادثة شارع التحلية وعبروا عَنْ ذلك الألم والغضب عبر وسائل التواصل الإجتماعي المتاحة وطالبوا بمحاسبة أعلى مسؤول في أمانة جدة. لكن المشكلة الحقيقية مَنْ هو المسؤول الحقيقي عَنْ الفساد، وأسبابه، والظروف التَّي أوجدته؟ هل المسؤول عَنْ الفساد هو بمستوى الوزير أو نائبه أو بمستوى العامل أو المدير العام، أو المسؤول عَنِ الفساد هو مِنْ دون هؤلاء جميعًا؟ هل أسباب الفساد عائدة لسياسة الدولة العليا أو لتصرفات جانبية فردية؟ هل الظروف التَّي صنعت الفساد هي ظروف اجتماعية لها علاقة بتربية الناس، أو ظروف سياسية لها علاقة بصاحب القرار؟

لا شك في أَنَّ الكثير مِنَ البشر يتمنون الظلام حتَّى يتسنى لهم العبث والتلاعب والخراب مِنْ أجل مصالحهم الشخصية وأنفسهم المريضة. ولكنهم لا يعلمون بِأَنَّ ضوء النهار سوف يشرق ليمزق تلك التصرفات التَّي كانت ولا زالت سببًا في كل السيئات.