آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

للإصلاح.. قانون فوق الجميع

أديب أبو المكارم *

تغيير الواقع للأفضل بما يكون في صالح الإنسان والمجتمع والدولة هو سمة المجتمعات المتقدمة. وإن مجتمعًا لا يسعى لذلك هو مجتمع سلبي ناقص، لأنه سيرى المجتمعات الأخرى في تقدم وهو لا يزال متخلفًا وكأنه يعيش عصرًا غير الذي تعيشه تلك المجتمعات. فنحن في عصر متسارع الحركة والنمو، والمجتمع الذي يريد أن يكون رائدًا عليه أن يسعى للتغيير والإصلاح على مختلف الأصعدة والمستويات، بدءًا من الفرد إلى الكل، ومن المجتمع إلى الدولة.

إصلاح المجتمع يحتاج ثقافة اجتماعية معززة بقانون ضابط، والاكتفاء بالثقافة الاجتماعية كما يزعم البعض غير صحيح. فهناك أمور تحتاج إلى ثقافة اجتماعية، وأمور تحتاج إلى قانون ضابط رادع، وبعضها يحتاج الاثنين معًا، ولكن مهما كانت قوة التوعية والتثقيف فإن فصل الخطاب يكمن في وضع قانون يطبّق على الجميع بدون استثناء، لأنه حتى لو كان المجتمع ذا ثقافة عالية وسلوكٍ راقٍ، إلا أنه لن يخلو ممن يسير عكس الاتجاه ولا رادع له أو لهم إلا القانون.

فعلى سبيل المثال، شعوب الدول الغربية يلتزمون بنظافة المنتزهات العامة سواء كان مكان الجلوس الخاص، أو المشتركات كدورات المياه وما شابه. بيد أننا نجد إهمالًا كثيرًا من قبل الشعب حينما نتنزه في المنتزهات العامة في مجتمعاتنا حتى تكاد تفقدك آدميتك لهول ما تراه. ولو قلنا بأن الأمر يحتاج وعيًا اجتماعيًا وحسب، فلنقارن بيننا وبين جارة لنا كالإمارات العربية ولنأخذ مثلًا محطات الوقود حيث تجدها هناك على نظام موحد في الخدمة والنظافة خلافًا لما نجده عندنا في المملكة. فهل ثقافة الشعب الإماراتي أرقى من ثقافة الشعب السعودي أم أن مجتمعنا يفتقد القانون والرقابة؟

ومثال آخر ما نراه من تجاوز الناس للحد الأقصى للسرعة وغيرها من أنظمة المرور. فإنه مع كثير ما بذلت الجهات الأمنية من توعية إرشادية وصلت إلى استخدام العاطفة كوضع صورة لأطفال يخاطبون أباهم: "نحن في انتظارك". إلا أن هذا كله لم يكن كافيًا مقابل فرض غرامات مالية ونشر كاميرات تحديد السرعة والنظام الذي أطلق عليه «ساهر» كما صرَّح بذلك بعض المسؤولين.

قانون تجريم الحض على الكراهية:

من هنا فإنه لابد من استحداث قوانين ضابطة تدعم التثقيف الاجتماعي والتوعية. فحين نسمع خطيبًا يتحدث عن طائفة معينة ويتهمها بأبشع الصفات، ويسعى لبث الحقد والكراهية بين أبناء الوطن الواحد فإن هذا مما لا ينبغي السكوت عنه لأنه يؤسس لقاعدة اجتماعية هشة، ويقوض استقرار البلاد.

طرحنا مرة مع مجموعة من الشباب على مسؤول رفيع المستوى ما يعانيه الشيعة من تكفير واتهامات لا تليق بمسلمين، وأن ذلك يأتي من دعاة وأئمة مساجد رسميين. وطالبنا بسن قانون يجرّم مثل هذه الأمور ويعاقب عليها، إلا أنه قال: نحن لا نحتاج إلى قانون بل نحتاج إلى تغيير ثقافتنا وأن نندمج مع بعضنا!

لو كان الأمر كذلك وحسب لما اشتكت طائفة من طائفة أخرى. فعند المسلمين منظومة متكاملة من الثقافة الدينية التي تحرّم عليهم الاعتداء على بعضهم، وآيات القرآن الكريم واضحة النهي والتحريم في مسألة الغمز واللمز والغيبة، يقول تعالى: «ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان»، وكذلك أحاديث رسول الله ﷺ وتشديده على حفظ الدماء والأموال والأعراض فإنها تملأ كتب الرواية والحديث والسير. لكننا نجد أن هذا المخزون الهائل من الثقافة التربوية العظيمة لم ينعكس على واقع المسلمين بالشكل المطلوب والسبب في ذلك هو غياب القانون الذي يجرم مثل هذه الأمور.

الرقابة على فساد المسؤولين:

كل مسؤول يتسلم وظيفته فإن عليه أن يضع نصب عينيه الأمانة الوظيفة وحفظ القسم الذي يؤديه تجاه ذلك وأن يراعي مصالح المواطنين. إلا أننا لا يمكن أن نكتفي ببث محاضرات أخلاقية دينية على كل موظف ومسؤول ونترك الكل يعمل وفق ما يمليه عليه ضميره فيكون عرضة لإغراءات الشيطان ومن ثم نقول إن الله عليك رقيب حسيب. الوضع السليم أن نرفد التوعية والتوجيه بنظام الرقابة والمحاسبة، وأن يكون ذلك على جميع الموظفين ولا سيما أصحاب المناصب الكبيرة ذات التأثير الأبلغ. إن الدولة تعاني فسادًا كبيرًا له أثره السلبي على الجميع، وما لم نتجه لتفعيل قانون الرقابة والمحاسبة فإن الوضع في تأزم مستمر وينذر بعواقب وخيمة.

تعزيز التثقيف بالقانون.

الثقافة الاجتماعية والإرشاد مطلوب بحد ذاته لكنه لا يستقيم بدون أنظمة تأخذ بيد من حديد من يخالف هذه القيم. لأنه مهما اقتنع الناس بأهمية الأمر الذي ترشدهم إليه، إلا أنَّ ما يلزمهم به هو القانون.

إن وجود قانون يطبّق على الجميع بدون استثناء أمر ضروري. ولو لم يكن القانون ذا أهمية لما فرضه الله تعالى، كما نرى في قطع يد السارق، وفي القصاص، وفي قذف المؤمنين بالباطل، وغير ذلك. ومع كثير ما يحوي القرآن الكريم والسنة النبوية من توجيه وتثقيف نحو الأخلاق الفاضلة، إلا أن ذلك لم يكن مانعًا من وضع قوانين رادعة.

إن إصلاح المجتمع يحتاج إلى مزيد من التوعية والتثقيف، ولكن الأهم أن يردف هذا الدور بقانون ضابط للجميع يتناسب مع الواقع المعاش. فكثير من المشاكل التي يعانيها الشعب هي نتيجة غياب القانون، أو عدم تطبيقه بالشكل الصحيح.

العوامية